كشفت وكالة “بلومبيرغ” الإخبارية، نقلاً عن مسؤولين أوروبيين وممثلين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، عن وجود رغبة قوية لدى الإدارة الأمريكية للتوصل إلى اتفاق ينهي النزاع في أوكرانيا قبل الرابع من يوليو المقبل. ووفقاً لمصادر الوكالة، فإن واشنطن تطمح لإبرام هذه الصفقة بالتزامن مع احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى الـ 250 لاستقلالها، في خطوة تحمل دلالات سياسية ورمزية كبيرة.
السياق التاريخي للنزاع
لم تبدأ التوترات بين روسيا وأوكرانيا مع الغزو الشامل في فبراير 2022، بل تعود جذورها إلى عقود مضت، وتصاعدت بشكل حاد في عام 2014 عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وبدأ الصراع في إقليم دونباس شرق أوكرانيا بين القوات الأوكرانية وانفصاليين مدعومين من موسكو. جاء الغزو الروسي في 2022 ليمثل أكبر هجوم عسكري في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث بررته موسكو بضرورة حماية الناطقين بالروسية و”نزع سلاح” أوكرانيا ومنعها من الانضمام إلى حلف الناتو، الذي تعتبره تهديداً لأمنها القومي.
أهمية التحرك الأمريكي وتأثيره المتوقع
يأتي هذا المسعى الأمريكي في وقت وصلت فيه الحرب إلى مرحلة استنزاف طويلة، مع تكبد الطرفين خسائر فادحة في الأرواح والمعدات. إن التوصل إلى اتفاق سلام سيكون له تأثيرات عميقة على مختلف الأصعدة:
- على الصعيد المحلي الأوكراني: سيضع حداً للمأساة الإنسانية الهائلة، ويسمح لملايين النازحين واللاجئين بالعودة، ويفتح الباب أمام جهود إعادة الإعمار الضخمة. لكن أي اتفاق سيتطلب تنازلات مؤلمة قد تتعلق بالسيادة على الأراضي التي تحتلها روسيا حالياً.
- على الصعيد الإقليمي الأوروبي: سيخفف الاتفاق من الضغوط الاقتصادية والأمنية على أوروبا، التي عانت من أزمة طاقة وتضخم واستقبلت ملايين اللاجئين. كما سيعيد تشكيل الخارطة الأمنية للقارة، مع تساؤلات حول مستقبل العلاقات مع روسيا ودور الناتو.
- على الصعيد الدولي: سيمثل إنهاء الحرب نجاحاً دبلوماسياً لإدارة الرئيس الأمريكي، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية. كما سيؤثر على ميزان القوى العالمي ويخفف من حدة التوترات التي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
مواقف الأطراف المعنية
تأتي هذه التقارير في ظل مواقف متباينة. فمن جانبه، صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن نهاية النزاع باتت وشيكة، داعياً الاتحاد الأوروبي لتحديد موعد دقيق لانضمام بلاده. في المقابل، يؤكد الكرملين أن “العملية العسكرية الخاصة” مستمرة حتى تحقيق جميع أهدافها. وقال المتحدث باسمه، ديمتري بيسكوف، إن روسيا لم تتخل عن أمل التوصل لتسوية سلمية، لكنه أشار إلى أن مطالب موسكو ثابتة، وتشمل حياد أوكرانيا، والاعتراف بالواقع الإقليمي الجديد، وحماية حقوق الناطقين بالروسية.
وكانت قد عُقدت اجتماعات مغلقة في أواخر يناير وأوائل فبراير ضمت ممثلين عن موسكو وكييف وواشنطن لمناقشة خطة السلام المقترحة من الولايات المتحدة، تبعتها عملية لتبادل أسرى الحرب. ومع ذلك، لا تزال العقبات كبيرة، حيث ترفض أوكرانيا التنازل عن أي شبر من أراضيها المعترف بها دولياً، بينما تسعى روسيا لتثبيت مكاسبها الميدانية. وتبقى الأسابيع القادمة حاسمة لمعرفة ما إذا كانت الجهود الدبلوماسية ستنجح في جسر الهوة بين مواقف الطرفين المتحاربين.


