كشف مسؤول أمريكي رفيع المستوى، اليوم السبت، عن تفاصيل دقيقة وحساسة تتعلق بالاستراتيجية العسكرية المعتمدة لضرب إيران، مشيراً إلى أن الخطة لا تعتمد على ضربة واحدة قاضية، بل ترتكز على مبدأ «الجولات المتتابعة»، وهو تكتيك عسكري يهدف إلى إدارة التصعيد وفسح المجال للحلول الدبلوماسية أو التراجع العسكري في أي لحظة.
وفي تصريحات خاصة لشبكة CNN، أوضح المسؤول أن هذه الاستراتيجية تقوم على تنفيذ سلسلة من الضربات التصعيدية المتدرجة، حيث تمتد كل «جولة» لفترة تتراوح بين يوم إلى يومين. ويعقب هذه الجولات فترات توقف تكتيكي وتعليق مؤقت للعمليات، وهي فترات حاسمة تخصصها واشنطن والقيادة العسكرية لتقييم حجم الأضرار (Battle Damage Assessment) وقياس ردود الفعل الإيرانية، قبل اتخاذ القرار ببدء جولة جديدة أو تعديل بنك الأهداف.
أبعاد استراتيجية «الجولات» وخلفياتها
تأتي هذه الاستراتيجية في سياق توتر إقليمي غير مسبوق في منطقة الشرق الأوسط، حيث تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تحقيق الردع دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ومفتوحة. ويشير محللون عسكريون إلى أن اعتماد مبدأ الجولات يعكس رغبة في ممارسة «الضغط الأقصى» عسكرياً مع الحفاظ على خطوط الرجعة، مما يتيح لطهران فرصة لاستيعاب الرسالة ووقف التصعيد المضاد.
هذا النمط من العمليات العسكرية ليس جديداً تماماً في العقيدة العسكرية الغربية، لكن تطبيقه ضد دولة بحجم وقدرات إيران يحمل دلالات خطيرة، ويؤكد أن الأهداف تتجاوز مجرد التدمير المادي إلى محاولة تفكيك منظومة القيادة والسيطرة النفسية للخصم عبر إبقائه في حالة ترقب دائم.
غموض الأهداف واتساع الرقعة الجغرافية
على الأرض، ورغم التكتم الرسمي على تفاصيل بنك الأهداف الدقيق، أظهرت مقاطع فيديو متداولة وتقارير ميدانية حجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بمواقع متعددة. ولم تقتصر الضربات على المنشآت العسكرية المعزولة، بل طالت أحياء سكنية في العاصمة طهران، مما أثار حالة من الذعر بين السكان.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام رسمية إيرانية، فإن الخارطة الجغرافية للاستهداف كانت واسعة وشاملة، مما يشير إلى جهد استخباراتي وعسكري ضخم. فقد شملت الضربات مدناً استراتيجية وحيوية مثل:
- أصفهان: التي تعد مركزاً للصناعات العسكرية والنووية.
- إيلام ولورستان وكرمانشاه: وهي محافظات حدودية ذات أهمية لوجستية.
- كرج وتبريز: مراكز صناعية وسكانية كبرى.
هذا التوسع الجغرافي يؤكد أن العملية تهدف إلى شل قدرات إيران في مناطق متعددة في آن واحد، وتشتيت الدفاعات الجوية الإيرانية.
رسائل سياسية: القيادة في مأمن
في المقابل، وفي رسالة سياسية واضحة، أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية أن كبار المسؤولين في الدولة لم يطالهم أي أذى. وأشارت التقارير إلى أن الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، إضافة إلى قيادات عسكرية بارزة، يتواجدون في أماكن آمنة ومحصنة.
ورغم أن الضربات تركزت في بعض مراحلها الأعنف على مناطق حساسة في طهران، بما في ذلك المنطقة التي تضم مكتب ومقر إقامة المرشد الأعلى علي خامنئي والقصر الرئاسي – والتي قيل إنها تعرضت لسبعة صواريخ على الأقل – إلا أن عدم استهداف القيادات بشكل مباشر يشير إلى أن الهدف هو ضرب «القدرات» وليس «الرموز»، وذلك لتجنب إغلاق الباب نهائياً أمام أي تسوية مستقبلية أو دفع النظام الإيراني نحو خيارات انتحارية.
ويبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تنتظر المنطقة ما ستسفر عنه فترات التقييم الحالية، وهل ستتوقف الجولات عند هذا الحد أم ستشهد الأيام المقبلة موجات جديدة من التصعيد.


