كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث في الوقت الراهن خيار الانسحاب العسكري الكامل من سوريا، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها البلاد. وتأتي هذه المداولات في سياق تقييم شامل للمهمة العسكرية الأمريكية في المنطقة، والتي بدأت قبل سنوات بهدف رئيسي هو مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
ونقلت الصحيفة، في تقرير لها، عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن الهزيمة التي مُنيت بها قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، الحليف الرئيسي لواشنطن في شمال شرق سوريا، دفعت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إلى إعادة تقييم جدوى المهمة العسكرية في سوريا برمتها.
ووفق الصحيفة، فإن المداولات الجارية داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب تتضمن سيناريوهات متعددة لخفض الوجود العسكري الأمريكي، وصولاً إلى الانسحاب التام. ويتم في هذه المباحثات تقييم دقيق لتداعيات هذا القرار على جهود مكافحة تنظيم داعش الإرهابي، والتوازنات الأمنية الهشة في شمال وشرق سوريا، إضافة إلى تأثيره على العلاقات مع الحلفاء الإقليميين والدوليين.
تأتي هذه المداولات في سياق وجود عسكري أمريكي بدأ في سوريا عام 2014-2015، بهدف رئيسي هو مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ودعم القوات المحلية، وعلى رأسها قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقد تركز الوجود الأمريكي بشكل كبير في شمال شرق سوريا، حيث لعب دوراً حاسماً في دحر داعش من معاقله الرئيسية، وتأمين حقول النفط، ومنع عودة التنظيم. لم تكن فكرة الانسحاب جديدة؛ فقد سبق لإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب أن أعلنت عن نيتها سحب القوات في عام 2018، قبل أن تتراجع جزئياً عن القرار تحت ضغوط داخلية وخارجية، مما يعكس التعقيدات الجيوسياسية للملف السوري وتعدد الأطراف الفاعلة فيه، من روسيا وإيران وتركيا إلى مختلف الفصائل المحلية.
إن أي قرار بالانسحاب الكامل سيحمل تداعيات عميقة على المشهد السوري والإقليمي. فعلى الصعيد المحلي، قد يترك الانسحاب فراغاً أمنياً تستغله قوى أخرى، بما في ذلك احتمال عودة نشاط تنظيم داعش، الذي لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة وقدرة على شن هجمات. كما أن مصير قوات سوريا الديمقراطية، الحليف الرئيسي لواشنطن في المنطقة، سيصبح مهدداً بشكل كبير، سواء من قبل القوات التركية التي تعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، أو من قبل قوات النظام السوري وحلفائه. إقليمياً، يمكن أن يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى إعادة تشكيل موازين القوى، مع تعزيز نفوذ روسيا وإيران وتركيا في سوريا. هذا التحول قد يثير قلق حلفاء واشنطن في المنطقة، مثل إسرائيل، التي تراقب بقلق التمدد الإيراني. دول الجوار قد تواجه أيضاً تحديات جديدة تتعلق بأمن الحدود وتدفق اللاجئين في حال تفاقم عدم الاستقرار. دولياً، سيُطرح الانسحاب تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في مناطق الصراع، وتأثير ذلك على استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب عالمياً. فالقرار لا يتعلق فقط بسوريا، بل يمس الدور الأمريكي الأوسع في الشرق الأوسط والعالم.
وأفاد التقرير بأن القرار النهائي في هذا الشأن لم يحسم بعد، وأن النقاشات لا تزال مرتبطة بتقديرات أمنية وسياسية، من بينها مستقبل التنسيق مع القوات المحلية، ومخاطر عودة التنظيمات المتطرفة، إضافة إلى حسابات أوسع تتعلق بالدور الأمريكي في الشرق الأوسط.
وحسب مسؤولين مطلعين، فإن قوات تابعة للحكومة السورية اقتربت بشكل خطر من مواقع تتمركز فيها قوات أمريكية خلال عمليات ضد الأكراد، وكشف هؤلاء أن القوات الأمريكية أسقطت طائرة مسيرة واحدة على الأقل قرب إحدى منشآتها. وأضاف أحد المسؤولين أنه خلال فترة 24 ساعة، شنت القوات السورية هجوماً على ثكنات لقوات سوريا الديمقراطية «قسد» داخل قاعدة تضم وجوداً أمريكياً.
يذكر أنه قبل عدة أيام، شرعت الولايات المتحدة في نقل نحو 7 آلاف معتقل من أصل 9 آلاف إلى العراق، وسط مخاوف من احتمال فرار مقاتلين سابقين وأفراد من عائلاتهم مع تحركات القوات الحكومية للسيطرة على منشآت الاحتجاز، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني والإنساني في المنطقة.


