تصعيد احتجاجي واسع: إضرابات عامة ضد وكالة الهجرة والجمارك (ICE) في 46 ولاية أمريكية بعد حوادث إطلاق نار مميتة
شهدت الولايات المتحدة الأمريكية تصعيدًا غير مسبوق في الاحتجاجات المناهضة لوكالة الهجرة والجمارك (ICE)، حيث دعا طلاب ومنظمون شباب إلى إضرابات عامة واسعة النطاق وتظاهرات في مختلف أنحاء البلاد. تأتي هذه الدعوات الحاشدة، التي شملت 46 ولاية، مطالبةً بانسحاب عملاء الهجرة الفيدراليين من ولاية مينيسوتا، وذلك في أعقاب حادثتي إطلاق نار مأساويتين أودتا بحياة مواطنين أمريكيين وأشعلتا موجة غضب شعبي عارمة.
خلفية تاريخية وسياق سياسات الهجرة الأمريكية
تُعد وكالة الهجرة والجمارك (ICE) جزءًا من وزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS)، وقد تأسست في عام 2003 بعد أحداث 11 سبتمبر لتعزيز الأمن القومي. منذ إنشائها، أصبحت الوكالة محورًا للجدل بسبب أساليب إنفاذ قوانين الهجرة، خاصةً خلال الإدارات التي تبنت سياسات متشددة. وقد شهدت فترة رئاسة دونالد ترامب، التي تميزت بشعار “أمريكا أولاً” والتركيز على مكافحة الهجرة غير الشرعية، تصعيدًا كبيرًا في عمليات الاعتقال والترحيل، مما أثار قلقًا واسعًا بين المدافعين عن حقوق المهاجرين والمجتمعات المتأثرة. هذه السياسات، التي شملت أحيانًا فصل العائلات على الحدود وتكثيف الدوريات الداخلية، خلقت بيئة من التوتر والخوف في العديد من المدن الأمريكية.
دعوات للإضراب العام وتصعيد الضغط الشعبي
تُعد الدعوة إلى الإضراب العام امتدادًا طبيعيًا للاحتجاجات التي انطلقت في مدينة مينيابوليس، مينيسوتا، حيث خرج آلاف المتظاهرين في طقس شديد البرودة، مطالبين بوقف حملة الرئيس الأمريكي المتشددة ضد المهاجرين في مدينتهم. وقد أكد منظمو الاحتجاجات عزمهم على تصعيد الضغط الشعبي، على الرغم من إعلان الرئيس نيته “التهدئة قليلاً” في مينيسوتا. في هذا السياق، صرحت بريانا جاكسون، العضوة في اتحاد الطلاب السود بجامعة مينيسوتا، في مقطع فيديو ترويجي للإضراب، مؤكدةً: “نريد أن تكون هذه حركة مستمرة، لا مجرد احتجاج عابر، المزيد من الإضرابات والمزيد من التظاهر”.
من جهته، حاول مسؤول الحدود الأمريكي توم هومان، الذي عُيّن حديثًا لقيادة حملة تشديد إنفاذ قوانين الهجرة في مينيابوليس، تهدئة الأوضاع بالتصريح بأن الضباط الفيدراليين سيركزون على عمليات “محددة الهدف” بدلاً من الحملات الواسعة في الشوارع. كما أظهرت توجيهات داخلية جديدة صادرة عن مسؤول رفيع في وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) دعوة الضباط إلى تجنب الاحتكاك غير الضروري مع “المحرّضين”، في محاولة لمنع تصعيد التوتر.
“لا عمل، لا دراسة، لا تسوق”: حركة احتجاجية وطنية
رفع المتظاهرون شعارًا موحدًا يعكس حجم الغضب الشعبي: “لا عمل، لا دراسة، لا تسوق، أوقفوا تمويل ICE”. وقد تم تنظيم هذه الاحتجاجات عبر موقع nationalshutdown، الذي أعلن عن تنظيم فعاليات في 250 موقعًا داخل 46 ولاية أمريكية، بما في ذلك مدن كبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس وشيكاغو وواشنطن العاصمة. هذا الانتشار الواسع يؤكد أن القضية تجاوزت البعد المحلي لتصبح حركة وطنية تطالب بإصلاحات جذرية في سياسات الهجرة.
تأتي هذه الموجة من الاحتجاجات في وقت حساس، حيث كان الناخبون قد أعادوا الرئيس إلى البيت الأبيض في انتخابات 2024، جزئيًا بسبب استيائهم من تصاعد الهجرة غير الشرعية. ومع ذلك، أظهر استطلاع حديث أجرته رويترز/إبسوس تراجعًا ملحوظًا في التأييد الشعبي لسياسات الرئيس المتعلقة بالهجرة إلى أدنى مستوياته خلال ولايته الثانية. هذا التراجع جاء في أعقاب انتشار مقاطع فيديو تُظهر أساليب عنيفة اتبعها عناصر مسلحون وملثمون في مينيابوليس، حيث أفادت غالبية المشاركين في الاستطلاع بأن الحملة الأمنية “تجاوزت الحد”.
حوادث إطلاق النار التي أشعلت شرارة الغضب
جاء التصعيد الأخير بعد يوم واحد من احتجاجات الجمعة الماضية، حين أطلق ضباط الهجرة النار وقتلوا أليكس بريتي (37 عامًا)، وهو ممرض يعمل في وحدة العناية المركزة بمستشفى مخصص لقدامى المحاربين. وكان الغضب الشعبي متصاعدًا بالفعل عقب مقتل رينيه غود (37 عامًا)، وهي أم لثلاثة أطفال، بعد إطلاق النار عليها داخل سيارتها في الـ7 من يناير الماضي. كان كل من غود وبريتي يراقبان تحركات ضباط الهجرة ضمن نشاط شعبي يهدف إلى توثيق عملياتهم، وهو ما مكّن شهودًا من تسجيل حادثتي القتل عبر هواتفهم المحمولة، مما زاد من حدة الانتقادات الموجهة لوكالة ICE.
خلال مراسم تأبين في موقع مقتل بريتي، وضعت امرأة باقة من الزهور وانهمرت بالبكاء بهدوء، مؤكدة أن ذكراه دفعتها للمشاركة في الاحتجاجات. وقالت ستايسي، التي فضلت عدم ذكر اسمها الكامل: “لن أنفق أي أموال غدًا على الإطلاق، هذه طريقتي البسيطة لأكون صوتًا لمن لا صوت لهم، مثل أليكس”. هذه الشهادات الشخصية تبرز البعد الإنساني العميق لهذه الاحتجاجات وتأثيرها على الأفراد والمجتمعات.
تأثير الاحتجاجات وتداعياتها المحتملة
لم تقتصر الاحتجاجات على المدن الكبرى، ففي ولاية جورجيا الجنوبية، أعلن طلاب في 90 مدرسة ثانوية، من أتلانتا إلى سافانا، عزمهم الانسحاب من الفصول الدراسية اليوم الجمعة. وقالت كلوديا أندرادي، منظمة حقوق مهاجرين في أتلانتا: “نقول لا للحياة الطبيعية طالما يُسمح لوكالة الهجرة بترويع مجتمعاتنا”. هذه المشاركة الطلابية الواسعة تشير إلى أن القضية تلقى صدى لدى الأجيال الشابة وتؤكد على أهمية التعليم في تشكيل الوعي المدني.
وقبيل انطلاق الاحتجاجات، اعتقلت الشرطة في واشنطن العاصمة 54 متظاهرًا من أتباع ديانات مختلفة، بعد أن جلسوا داخل مبنى مجلس الشيوخ وهم يرفعون لافتات كُتب عليها: “أقيموا العدل، أحبّوا الرحمة، ألغوا ICE”. كما طالب المحتجون مجلس الشيوخ بحجب التمويل عن وزارة الأمن الداخلي، التي تشرف على وكالة الهجرة والجمارك. هذه المطالبات المباشرة للمشرعين تعكس رغبة المحتجين في إحداث تغييرات تشريعية وسياسية حقيقية، وتضع ضغطًا كبيرًا على الإدارة الحالية والكونغرس لإعادة تقييم سياسات الهجرة وإنفاذها.
إن هذا التصعيد غير المسبوق ضد وكالة الهجرة والجمارك يمثل نقطة تحول محتملة في النقاش الوطني حول الهجرة في الولايات المتحدة. فبينما تسعى الإدارة إلى فرض سيطرة أكبر على الحدود والهجرة غير الشرعية، يطالب قطاع واسع من المجتمع بنهج أكثر إنسانية وشفافية، مع التركيز على حماية حقوق الأفراد وتجنب العنف. من المتوقع أن تستمر هذه الاحتجاجات في الضغط على صناع القرار، مما قد يؤدي إلى مراجعة شاملة لسياسات ICE ودورها في المجتمع الأمريكي.


