تتحول منطقة حائل في شمال المملكة العربية السعودية خلال فصل الشتاء إلى وجهة سياحية وثقافية فريدة، حيث ترسم الطبيعة والموروث الشعبي لوحة فنية تأسر القلوب، يمتزج فيها بياض البرد والثلوج التي تكسو قمم الجبال مع دفء النيران التي يشعلها الأهالي والزوار في المخيمات البرية، مشكلةً مشهداً يُعرف محلياً بـ “سرد من نار وبياض”.
جغرافية المكان وسحر الطبيعة الشتوية
تتمتع حائل بطبيعة جغرافية خلابة تتشكل من تضاريس متنوعة، أبرزها سلسلتي جبال “أجا” و”سلمى” الشهيرتين. في فصل الشتاء، تنخفض درجات الحرارة بشكل ملحوظ، مما يهيئ الفرصة لتساقط الأمطار وحبات البرد، وأحياناً الثلوج، التي تغطي الصخور الجرانيتية والرمال الذهبية برداء أبيض ناصع. هذا التباين اللوني بين صخور الجبال الداكنة وبياض الشتاء يخلق مناظر طبيعية استثنائية تجذب المصورين وعشاق الطبيعة من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج، لتوثيق هذه اللحظات التي تحول الصحراء إلى لوحة شتوية أوروبية الطابع.
رمزية النار والموروث الثقافي
على الجانب الآخر من مشهد البياض، تبرز “النار” كعنصر أساسي في شتاء حائل، ليس فقط للتدفئة، بل كرمز للكرم والضيافة المتأصلة في تاريخ المنطقة التي عرفت بأنها موطن حاتم الطائي. تُعد “شبة النار” طقسًا اجتماعياً مقدساً لدى أهالي حائل وزوارها، حيث تنتشر المخيمات الشتوية (الكشتات) في المتنزهات البرية مثل منتزه مشار وعقدة. يجتمع الناس حول النار لتبادل الأحاديث وإلقاء الشعر، وتناول القهوة العربية والتمر، في أجواء تعكس الدفء الإنساني الذي يتحدى برودة الطقس.
الأهمية السياحية والاقتصادية
لا يقتصر تأثير شتاء حائل على الجانب الجمالي فحسب، بل يمتد ليشكل رافداً اقتصادياً وسياحياً هاماً. يشهد الموسم الشتوي انتعاشاً في حركة الأسواق المحلية، خاصة تلك المتعلقة ببيع مستلزمات التخييم، والملابس الشتوية التقليدية مثل “الفروة”، والمأكولات الشعبية التي تمنح الطاقة والدفء مثل “المقشوش” و”الكبيبا”. كما تساهم الفعاليات والمهرجانات الشتوية التي تقام في المنطقة في تعزيز مكانة حائل كوجهة سياحية شتوية رئيسية، مما يدعم الاقتصاد المحلي ويخلق فرص عمل موسمية للشباب والأسر المنتجة، مؤكدة بذلك أن شتاء حائل هو مزيج متناغم من جمال الطبيعة وعراقة التقاليد.


