أكدت الدكتورة مامتا مورثي، نائبة الرئيس لشؤون الناس في البنك الدولي، أن الشراكة الاستراتيجية بين المملكة العربية السعودية والبنك الدولي تمثل نموذجاً عالمياً رائداً في تحويل السياسات القائمة على الأدلة إلى فرص اقتصادية ملموسة ومستدامة. هذه الشراكة، التي تركز على دعم الشركات بمختلف أحجامها، تسهم بشكل فعال في تعزيز توفير الوظائف وتنمية رأس المال البشري، وهو ما يتماشى مع الأهداف التنموية الطموحة للمملكة.
جاء هذا التأكيد خلال مشاركة الدكتورة مورثي في النسخة الثالثة للمؤتمر الدولي لسوق العمل، الذي استضافته العاصمة الرياض. ويأتي هذا المؤتمر في سياق عالمي يشهد تحولات اقتصادية متسارعة، مما يجعل تطوير منظومات القوى العاملة أمراً حتمياً لمواكبة هذه التغيرات وضمان النمو الشامل. وفي هذا الصدد، شددت الدكتورة مورثي على الدور المحوري للقطاع الخاص كقاطرة أساسية لقيادة هذا التحول وتحقيق نمو وظيفي مستدام.
السياق العام والخلفية التاريخية للحدث:
تأتي هذه الشراكة في وقت حاسم، حيث تسعى المملكة العربية السعودية جاهدة لتحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة، والتي تركز على تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط، وتمكين القطاع الخاص، وتنمية رأس المال البشري كركيزة أساسية للنمو المستقبلي. يلتزم البنك الدولي، بصفته مؤسسة عالمية رائدة في التنمية، بدعم الدول الأعضاء في جهودها لتحقيق التنمية المستدامة ومواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية. وتعتبر المملكة شريكاً استراتيجياً للبنك في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتعاونان في مجالات متعددة تشمل الإصلاحات الاقتصادية، وتنمية المهارات، وتعزيز بيئة الأعمال.
الاستثمار في الإنسان: حجر الزاوية للتنمية
أوضحت الدكتورة مورثي أن الاستثمار المستدام في الإنسان يشكّل حجر الأساس لإطلاق الإمكانات الكاملة لرأس المال البشري. هذا التوجه يتطلب إعادة هيكلة آليات التمويل وتبني نماذج جديدة لتنفيذ برامج التحول في القوى العاملة. وأشارت إلى أن تحديات وفرص أسواق العمل تختلف من منطقة إلى أخرى، وأن مناطق مثل جنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا وجنوب آسيا تمتلكان إمكانات واعدة لدفع النمو المستقبلي، شريطة تمكين الفئات الشابة فيهما من مهارات تتوافق مع احتياجات سوق العمل المتغيرة.
تحديات هيكلية وحلول مبتكرة:
سلطت الدكتورة مورثي الضوء على عدد من التحديات الهيكلية التي تواجه تطوير المهارات عالمياً، ومن أبرزها تركيز أنظمة التعليم على المدخلات بدلاً من النتائج الفعلية، وتصميم برامج تدريبية لأدوار وظيفية لم تعد قائمة، إضافة إلى الفجوة المتزايدة بين المهارات المتاحة وتلك المطلوبة في سوق العمل الحديث. كما أشارت إلى صعوبة توسيع نطاق الحلول الناجحة، محذرةً من الاعتماد على سياسات قائمة على العرض فقط دون ارتباط فعلي بالطلب الحقيقي في سوق العمل.
لمواجهة هذه التحديات، استعرضت الدكتورة مورثي ثلاثة تحولات رئيسية في تطوير القوى العاملة: أولاً، تبني حلول يقودها القطاع الخاص لضمان المواءمة مع احتياجات السوق. ثانياً، ترسيخ منهجيات قائمة على السوق لتوفير فرص العمل عبر سلاسل القيمة. وثالثاً، إعطاء الأولوية لإصلاحات قطاعية تمهّد لتحول طويل الأمد في منظومة العمل قبل الانتقال إلى إصلاحات شاملة. وأكدت أن تعميق الشراكة مع أصحاب العمل يُعد عنصراً أساسياً في تطوير المهارات وتوفير الوظائف، مما يعزز من مرونة أسواق العمل وقدرتها على التكيف.
توسيع أجندة البنك الدولي ومؤشر رأس المال البشري الجديد:
تناولت الدكتورة مورثي توسّع أجندة البنك الدولي في مجالات المعرفة والتعلّم، مشيرة إلى العمل على تطوير مؤشر جديد لرأس المال البشري. هذا المؤشر يهدف إلى دمج التعليم العالي والتعلّم أثناء العمل، مما يمكّن الحكومات من تشخيص فجوات المهارات بصورة أدق ودمج قضايا التعليم والمهارات وسوق العمل ضمن المشورة المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والمالية. ومن المتوقع أن يوفر هذا المؤشر أداة قيمة لصناع القرار لتوجيه الاستثمارات نحو المجالات الأكثر تأثيراً في تنمية الموارد البشرية.
واستعرضت أبرز المبادرات المرتبطة بهذه الأجندة، ومن بينها إطلاق أكاديمية سنوية لسوق العمل، وتشكيل لجنة استشارية عالمية من الخبراء، وإعداد أدلة عملية لدعم التدخلات قصيرة المدى والمركّزة في مجال القوى العاملة. وفي خطوة تعكس التقدير الدولي للجهود السعودية، أعلنت الدكتورة مورثي أن البنك الدولي سيصدر تقريراً متخصصاً حول تقدم المملكة العربية السعودية في إصلاحات سوق العمل وتنمية المهارات، مما يسلط الضوء على الإنجازات والتحديات ويقدم رؤى قيمة للمستقبل.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
من المتوقع أن يكون لهذه الشراكة، وما ينتج عنها من سياسات وبرامج، تأثير إيجابي كبير على الاقتصاد السعودي، من خلال زيادة معدلات التوظيف، خاصة بين الشباب والنساء، وتعزيز تنافسية الشركات المحلية في الأسواق العالمية. على الصعيد الإقليمي والدولي، يمكن أن تصبح تجربة السعودية نموذجاً يحتذى به للدول الأخرى التي تسعى لإصلاح أسواق العمل لديها وتنمية قدرات رأس مالها البشري لمواجهة تحديات المستقبل، مما يؤكد على أهمية التعاون الدولي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.


