spot_img

ذات صلة

البنك الدولي يحذر: ديون قياسية وتباطؤ النمو العالمي

أصدر البنك الدولي تحذيراً شديد اللهجة بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، متوقعاً تباطؤ النمو ومشيراً إلى أن مستويات الديون العالمية في طريقها لتسجيل أرقام قياسية غير مسبوقة. يأتي هذا التحذير رغم تأكيد البنك على أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على الصمود أكبر مما كان متوقعاً في مواجهة الصدمات التجارية خلال عام 2025.

سياق تاريخي وتحديات الديون

تُعد تحذيرات البنك الدولي، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية بهدف إعادة الإعمار ومكافحة الفقر، ذات أهمية بالغة في رسم ملامح السياسات الاقتصادية العالمية. لطالما كانت مستويات الديون محور قلق للمؤسسات المالية الدولية، خاصة بعد الأزمات المتتالية التي شهدها العالم، من أزمة ديون الدول النامية في الثمانينيات إلى الأزمة المالية العالمية عام 2008، وصولاً إلى التداعيات الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 التي دفعت الحكومات لتبني حزم تحفيز مالي ضخمة، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الدين العام والخاص على حد سواء. هذا السياق التاريخي يجعل التحذير الحالي من وصول الديون إلى مستويات قياسية أمراً يستدعي اهتماماً فورياً من صناع القرار.

توقعات النمو العالمي وتفاوت الأداء

في تقريره الأخير، توقع البنك الدولي نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.6% في عام 2026، وهي مراجعة صعودية مقارنة بتوقعات يونيو التي بلغت 2.3%، وذلك بعد أن سجل نمواً بنسبة 2.7% في العام الماضي. ويعزى جزء كبير من هذه المراجعة الإيجابية إلى الأداء القوي غير المتوقع للاقتصاد الأمريكي، حيث يتوقع البنك نمو أكبر اقتصاد عالمي بنسبة 2.2% في عام 2026، مقابل 1.6% في التقديرات السابقة.

ومع ذلك، لم تخفِ التوقعات المحسنة القلق العميق للبنك. فقد حذر التقرير من أن النمو العالمي لا يزال ضعيفاً ومتركزاً بشكل أساسي في الاقتصادات المتقدمة، بينما تتخلف الاقتصادات الناشئة والنامية عن الركب. هذا التفاوت في الأداء يعكس تحديات هيكلية تواجهها الدول النامية، مثل محدودية المساحة المالية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، والتعرض الأكبر للصدمات الخارجية وتغير المناخ.

الآثار المتوقعة لمستويات الديون القياسية

إن وصول مستويات الديون إلى أرقام قياسية يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المدى الطويل. فارتفاع الديون يقلل من قدرة الحكومات على الاستثمار في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، وهي ركائز أساسية للتنمية المستدامة. كما أنه يزيد من عبء خدمة الدين، خاصة في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة، مما يحول الموارد بعيداً عن الإنفاق الإنتاجي. وفي أسوأ السيناريوهات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى أزمات ديون سيادية، خاصة في الدول الأكثر هشاشة، مما يهدد الاستقرار المالي العالمي ويعرقل جهود مكافحة الفقر.

توقعات إقليمية ودعوات للتحرك

على الصعيد الإقليمي، توقع البنك تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني إلى 4.4% في عام 2026 من 4.9% في عام 2025، مع بقاء التوقعات أفضل من تقديرات يونيو بفضل التحفيز المالي وزيادة الصادرات إلى أسواق غير أمريكية. أما منطقة اليورو، فيُرجح تباطؤ نموها إلى 0.9% في عام 2026 قبل أن تتحسن في عام 2027 مع زيادة الإنفاق الدفاعي. ومن المتوقع أن يستقر نمو اليابان عند 0.8% خلال عامي 2026 و2027.

في الختام، يدعو تحذير البنك الدولي إلى يقظة عالمية وتنسيق للسياسات. فبينما يظهر الاقتصاد العالمي مرونة ملحوظة، فإن التحدي الأكبر يكمن في إدارة عبء الديون المتزايد بطريقة مستدامة، وضمان أن النمو الاقتصادي يكون شاملاً ويصل إلى جميع الدول، وخاصة تلك التي تتخلف عن الركب، لتجنب أزمات مستقبلية قد تقوض عقوداً من التقدم التنموي.

spot_imgspot_img