تثير ظاهرة الكتابة في الأجناس الأدبية المتعددة جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية، حيث يتنقل بعض الأدباء بين الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والنقد، والمسرح. وبينما يرى البعض في هذا التعدد دليلاً على غزارة الموهبة والبحث عن الذات الإبداعية، يعتبره آخرون نوعاً من التشتت والتنكب عن الصراط الفني المستقيم. تطرح هذه الظاهرة تساؤلات عميقة حول مدى قدرة الكاتب على إتقان أدوات تعبيرية متباينة، وكيف يتلقى الجمهور هذا الإنتاج المتنوع في ظل غلبة تصنيف أحادي على مسيرة المبدع.
الجذور التاريخية لظاهرة التعدد الإبداعي
تضرب فكرة الأديب الشامل بجذورها في عمق التاريخ الأدبي العربي والعالمي. قديماً، كان المفكرون والأدباء يجمعون بين الفلسفة، والشعر، والعلوم الطبيعية، والترجمة. وفي العصر الحديث، برزت أسماء لامعة خاضت غمار الكتابة المتعددة بنجاح باهر؛ ففي الأدب العربي نجد الدكتور طه حسين، وتوفيق الحكيم، وغازي القصيبي، وعلي الدميني. أما عالمياً، فيبرز دويستوفسكي وتولستوي، والكاتب الألماني غوته الذي أبدع في الشعر والمسرح والرواية والفكر تاركاً روائع مثل “آلام فرتر” و”فاوست”، بالإضافة إلى طاغور الذي حاز جائزة نوبل كأول آسيوي بفضل تميزه في الشعر، والرواية، والموسيقى، والرسم. هذا العمق التاريخي يثبت أن التعددية لم تكن يوماً طارئة، بل كانت تعبيراً عن شمولية الوعي الإنساني.
رؤى نقدية تفكك إشكالية التعدد الإبداعي
تتباين قراءات النقاد المعاصرين حول هذه الظاهرة بشكل ملموس. يرى الناقد الدكتور أحمد سماحة أن الوسط الأدبي والمتلقي غالباً ما يتوقفان عند جنس أدبي واحد يشتهر به المبدع ويطغى على بقية نتاجه، فالقصيبي يظل في الذاكرة روائياً والدميني شاعراً، رغم تنوع كتاباتهما. ويضيف سماحة أن الإبداع بمساراته المتعددة يهيمن على الكاتب في بداياته كنوع من التجريب للوصول إلى ما يجيده حقاً.
من جانبه، يضع الشاعر عبد العزيز أبو لسة خطاً فاصلاً بين الكاتب “المطبوع” الذي يمتلك موهبة أصيلة يغذيها بالقراءة العميقة، والكاتب “المصنوع” الذي يتكلف العبارة ويتنقل بين الفنون دون ترك بصمة حقيقية أو ومضة إبداعية تدهش القارئ. ويؤكد أبو لسة أن النقد حالة إبداعية قائمة على أرضية معرفية ونظرية صلبة، مستبعداً أن يجتمع الشعر والرواية والقصة والنقد في شخص واحد بكفاءة عالية إلا إذا كان يمتلك ثلاثة قلوب وثلاثة عقول.
وفي سياق متصل، تشير الكاتبة أمل فارس إلى أن الكاتب ليس ملزماً بالبقاء داخل إطار أدبي واحد، مستشهدة بخورخي لويس بورخيس الذي نجح في القصة القصيرة والشعر والمقال الفلسفي والنقد والترجمة، دون أن يكتب رواية واحدة لميله إلى التكثيف. وتؤكد فارس أن خوض غمار أشكال أدبية مختلفة يعد جزءاً من النضج الفني والتجريب الحر الذي يقود الكاتب لمعرفة أين يكمن صوته الأكثر اكتمالاً وصدقاً.
التخصص الفني وأثر الكتابة في الأجناس الأدبية على الساحة الثقافية
يمتد تأثير هذا النقاش محلياً وإقليمياً ليلامس بنية الإنتاج الثقافي المعاصر. يشير المستشار الثقافي الدكتور زيد بن علي الفضيل إلى أن زمن “المثقف الكشكولي” الموسوعي قد انتهى، حيث نعيش اليوم عصراً يتسم بالانشطار الكلي للفنون وبروز الرواد المتخصصين في كل مجال. ويرى الفضيل أن النقد صنعة منهجية علمية تتطلب أدوات خاصة قد تصعب على الشاعر أو الروائي الحقيقي الذي ينطلق من شعور مطلق بالحرية يرفض القيود المنهجية.
بالمقابل، يقدم الناقد الدكتور إبراهيم المرحبي رؤية متوازنة تصف هذا التعدد بأنه “انتقال لا تنكّب”، وعميلة عبور من المسار الضيق إلى فضاء أرحب يتسع للتجربة الإنسانية. ويوضح المرحبي أن الكاتب يكون شاعراً عندما تتطلب الفكرة تكثيف الصورة والإيقاع، وقاصاً عندما تحتاج إلى مفارقة واختزال، وروائياً عندما يتسع أفقه الإنساني والزمني، وناقداً حين يميل إلى مساءلة النصوص. هذا التنوع يمنح الكاتب ثراءً في الرؤية والأسلوب، شريطة وجود مشروع إبداعي متماسك يربط هذه المسارات ويحميها من الانزلاق إلى فخ “التكاثر الكتابي” الهش الذي يكشف عن هشاشة مضمونية عند التعمق فيه.


