أعلنت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية، نجوزي أوكونجو إيويالا، عن تأييدها للدعوات المطالبة بإصلاح شامل لنظام التجارة العالمي، في تصريحات جاءت لتؤكد على التوافق مع رؤية الولايات المتحدة بضرورة تحديث القواعد التي تحكم التجارة الدولية. وجاء هذا الإعلان قبيل اجتماع وزاري هام للمنظمة، مما يضع قضية الإصلاح على رأس جدول الأعمال العالمي.
وفي كلمتها خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، قالت إيويالا: “قد لا تعجبنا هذه الإجراءات (في إشارة إلى الرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية السابقة)، لكن علينا إدراك ضرورة إصلاح أمور كثيرة تتعلق بنظام التجارة العالمي”. وأضافت أن النظام الحالي “صامد، لكنه ليس قوياً، لذلك علينا تعزيزه عبر إجراء الإصلاحات اللازمة، وهذا ما نعمل عليه في منظمة التجارة العالمية”.
السياق التاريخي وتحديات النظام التجاري
تأسست منظمة التجارة العالمية في عام 1995 خلفًا للاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT)، بهدف أساسي هو تحرير التجارة وضمان تدفقها بسلاسة وشفافية. وعلى مدى عقود، نجحت المنظمة في خفض الحواجز الجمركية وحل مئات النزاعات التجارية. إلا أن النظام واجه تحديات متزايدة في السنوات الأخيرة، أبرزها جمود “جولة الدوحة للتنمية” التي انطلقت عام 2001 وفشلت في تحقيق أهدافها، مما كشف عن انقسامات عميقة بين الدول المتقدمة والنامية.
وقد تفاقمت الأزمة مع تصاعد النزعة الحمائية عالميًا، والتي تجلت في الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وفرض إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رسومًا جمركية أحادية الجانب تراوحت بين 10% و41% على واردات من عشرات الدول، وهي الإجراءات التي لا تزال قيد المراجعة القانونية أمام المحاكم الأمريكية. كما أدى تعطيل الولايات المتحدة لآلية تسوية المنازعات التابعة للمنظمة، من خلال منع تعيين قضاة جدد في هيئة الاستئناف، إلى شل قدرة المنظمة على الفصل في النزاعات التجارية، وهو ما اعتبره الكثيرون ضربة قاصمة لمصداقيتها.
أهمية الإصلاح وتأثيره المتوقع
تأتي دعوات الإصلاح الحالية في وقت حرج يمر به الاقتصاد العالمي، الذي يعاني من تباطؤ النمو، واضطراب سلاسل الإمداد، والتحديات الجيوسياسية. إن إصلاح منظمة التجارة العالمية لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحة لضمان استقرار الاقتصاد العالمي. ويشمل الإصلاح المنشود عدة محاور رئيسية:
- إعادة تفعيل آلية تسوية المنازعات: يعتبر هذا الأمر الأولوية القصوى لاستعادة ثقة الأعضاء في النظام متعدد الأطراف.
- تحديث القواعد التجارية: يجب أن تتكيف قواعد المنظمة مع واقع الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين، لتشمل مجالات جديدة مثل التجارة الرقمية، والتجارة الإلكترونية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، ووضع معايير للتجارة المستدامة والبيئة.
- زيادة الشفافية: تعزيز آليات المراقبة والإبلاغ لضمان التزام جميع الدول الأعضاء بتعهداتها التجارية.
إن نجاح هذه الإصلاحات سيؤدي إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالسياسات التجارية، وتقليل التوترات التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى، وتوفير بيئة أكثر عدالة للدول النامية للاندماج في الاقتصاد العالمي، مما يساهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل على المستويين الإقليمي والدولي.


