يشهد دوري يلو لأندية الدرجة الأولى السعودي للمحترفين، الذي يُعد الرافد الأساسي للدوري السعودي للمحترفين (دوري روشن)، حالة من الحراك الفني غير المسبوق خلال الموسم الحالي. فمع دخول المنافسات مراحلها الحاسمة، أقدمت عشرة أندية على تغيير أجهزتها الفنية، مما أسفر عن رحيل وتعيين 11 مدربًا جديدًا ما بين إقالات، وإنهاء عقود بالتراضي، وتكليفات مؤقتة. هذا التغيير الجذري يعكس بوضوح ارتفاع سقف الطموحات لدى إدارات الأندية ورغبتها الملحة في تصحيح المسار وتحقيق الأهداف المحددة، سواء بالصعود إلى دوري الأضواء أو تجنب الهبوط إلى الدرجات الأدنى.
تاريخيًا، لطالما كانت كرة القدم السعودية، على غرار العديد من الدوريات العالمية، مسرحًا لتغيرات المدربين المتكررة، خاصة في ظل الضغوط الجماهيرية والإعلامية والمالية الكبيرة. دوري يلو، كونه بوابة العبور إلى دوري المحترفين، يمثل تحديًا خاصًا للمدربين والأندية على حد سواء. الاستثمار المتزايد في الرياضة السعودية، والرؤية الطموحة لتطوير كرة القدم، جعلت من تحقيق النتائج الإيجابية أمرًا لا مفر منه، مما يضع المدربين تحت مجهر التقييم المستمر. هذه الظاهرة ليست مقتصرة على دوري يلو فحسب، بل هي جزء من ثقافة كرة القدم الحديثة التي تتطلب نتائج فورية، وتجعل من كرسي المدرب أحد أكثر المناصب تقلبًا.
تأتي هذه التغييرات في ظل تقارب كبير في النقاط بين عدد هائل من الفرق في جدول الترتيب، مما يزيد من حدة الصراع على المراكز المؤهلة للصعود إلى دوري روشن، وكذلك على الهروب من شبح الهبوط. هذا التنافس الشديد يدفع إدارات الأندية إلى اتخاذ قرارات فنية جريئة، أملًا في إحداث صدمة إيجابية، وتحقيق الاستقرار المنشود، والظفر بالنقاط الثلاث في كل جولة. إن كل نقطة في هذه المرحلة قد تكون الفارق بين تحقيق الحلم أو السقوط في دوامة الإحباط، مما يبرر سعي الأندية الدائم للبحث عن التركيبة الفنية الأمثل.
على الصعيد المحلي، تحمل هذه التغييرات تأثيرات متعددة. فمن جهة، قد توفر فرصًا للمدربين الوطنيين لإثبات قدراتهم، كما حدث في بعض الحالات. ومن جهة أخرى، تعكس مدى احترافية الأندية في سعيها لتحقيق أهدافها، حتى لو تطلب الأمر التضحية بالاستقرار الفني على المدى القصير. إن نجاح هذه التغييرات ينعكس بشكل مباشر على مستوى المنافسة في الدوري، ويزيد من جاذبيته الجماهيرية، ويعزز من قاعدة المواهب التي يمكن أن تغذي المنتخبات الوطنية. على المدى الأوسع، فإن قوة دوري يلو تساهم في تعزيز المنظومة الكروية السعودية ككل، مما ينعكس إيجابًا على أداء الأندية السعودية في البطولات القارية، وعلى مستوى المنتخب الوطني في المحافل الدولية، وهو ما يتماشى مع الأهداف الكبرى لرؤية المملكة 2030 في المجال الرياضي.
لنستعرض أبرز هذه التغييرات التي طالت مقاعد البدلاء في دوري يلو:
نادي الطائي يبدأ التصحيح بخيارات محلية ثم دولية:
في نادي الطائي، أنهت الإدارة علاقتها بالمدرب الإسباني كارلوس هيرنانديز بعد سلسلة من النتائج التي لم ترقَ لطموحات الجماهير والإدارة. وقررت منح الثقة للمدرب الوطني خليل المهنا لقيادة الفريق خلال المرحلة الماضية، في خطوة عكست التوجه للاعتماد على الخبرة المحلية. إلا أن الأنباء المتداولة مؤخرًا تشير إلى إقالة خليل المهنا من منصبه، وذلك على خلفية سوء نتائج الفريق خلال الفترة الأخيرة، دون أن تصدر إدارة النادي حتى الآن أي بيان رسمي يؤكد الإقالة أو يوضح ما إذا كان الرحيل قد جاء بالتراضي أو عبر استقالة من المدرب نفسه، مما يترك الباب مفتوحًا لتكهنات حول البديل القادم.
الدرعية يراهن على المدرسة الهولندية لقفزة نوعية:
أما نادي الدرعية، فقد ودّع المدرب الفرنسي صبري لموشي، وتعاقد مع الهولندي ألفريد شرودير، في محاولة لإحداث نقلة نوعية على مستوى الأداء الفني والتكتيكي، اعتمادًا على المدرسة الأوروبية المعروفة بالانضباط التكتيكي واللعب الشامل، أملًا في تحسين مركز الفريق في جدول الترتيب.
الزلفي يبحث عن التوازن مع خبرة تونسية:
وفي الزلفي، أنهت الإدارة عقد المدرب الوطني خالد القروني، وأسندت المهمة للمدرب التونسي الحبيب بن رمضان، على أمل إعادة التوازن للفريق وتحقيق نتائج إيجابية في الدور الثاني من المنافسة، مستفيدًا من خبرة المدرب التونسي في الملاعب العربية.
الباطن الأكثر اضطرابًا فنيًا:
يُعد نادي الباطن الأكثر اضطرابًا فنيًا خلال الفترة الماضية، حيث شهد رحيل المدرب الفرنسي غريفوري دوفيرنيس، ثم البرتغالي باولو الفيش، قبل أن يتم تكليف مدير التطوير بالفئات السنية هنري ماكينو بقيادة الفريق بشكل مؤقت، في إشارة إلى صعوبة إيجاد الاستقرار الفني في النادي.
الجبيل يعود للخيار الوطني لضمان الاستقرار:
وفي الجبيل، أنهت الإدارة التعاقد مع البرتغالي بيدرو رودريغيز، وقررت الاعتماد على المدرب الوطني خالد النعيمي، ضمن توجه يمنح الثقة للمدرب السعودي في هذه المرحلة الحساسة من الموسم، سعيًا لتحقيق أفضل النتائج الممكنة.
العدالة يغير بوصلته نحو الخبرة الفرنسية:
نادي العدالة بدوره أنهى عقد المدرب التونسي محمد العياري، ووقّع مع الفرنسي ديدييه غوميز، في محاولة لإعادة الفريق للمنافسة على مراكز متقدمة بعد تذبذب المستوى الذي شهده في الدور الأول، مستهدفًا استعادة بريقه.
العربي يختار الخبرة التونسية لقيادة الدفة:
أما العربي، فقد ودّع المدرب الإسباني لوبيز خواكين، وعيّن التونسي غازي الغرايري مدربًا للفريق، مستندًا إلى خبرته السابقة في الكرة السعودية ومعرفته الجيدة باللاعبين والأجواء المحلية، مما قد يسرع من عملية التأقلم.
الوحدة وتغيير شامل بحثًا عن الانتصارات:
وفي نادي الوحدة، رحل المدرب التشيلي سييرا، ليحل مكانه المدرب البوسني روسيمير تسفيكو، في خطوة تهدف لإعادة الفريق إلى سكة الانتصارات بعد تراجع النتائج وتذبذب الأداء الذي أثر على طموحات النادي.
الجندل والعلا… خيارات جديدة لإنقاذ الموسم:
نادي الجندل أنهى علاقته بالمدرب الصربي زوران ميلينكوفيتش، وأسند المهمة للتونسي عبدالرزاق الشابي، فيما قرر نادي العلا الاستغناء عن التونسي يوسف المناعي، والتعاقد مع البرتغالي خوسيه بيسيرو لقيادة الفريق في الدور الثاني، في محاولة لضخ دماء جديدة وتحقيق قفزة في الأداء والنتائج.
تعكس هذه التغييرات المتلاحقة حجم الضغط الكبير الذي تعيشه أندية دوري يلو، خصوصًا مع اقتراب الموسم من مراحله المفصلية التي لا تقبل الأخطاء. لم يعد هناك مجال لإهدار النقاط، والرهان الأكبر يقع على قدرة هذه الأجهزة الفنية الجديدة على التأقلم السريع مع الأجواء، وفهم متطلبات الدوري، وترك بصمة فنية واضحة تُسهم في تحقيق أهداف الأندية الطموحة خلال النصف الثاني من الموسم. إنها مرحلة حاسمة ستحدد مصير العديد من الأندية والمدربين على حد سواء في مشهد كروي سعودي يتسم بالديناميكية والتنافسية العالية.


