spot_img

ذات صلة

رحيل علي سالم البيض: اليمن ينعى نائب الرئيس السابق وشريك الوحدة | أخبار اليمن

ببالغ الحزن والأسى، نعت الرئاسة اليمنية أمس (السبت) القائد التاريخي ونائب رئيس مجلس الرئاسة السابق، علي سالم البيض، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 86 عاماً بعد مسيرة حافلة بالنضال السياسي والعطاء المخلص لوطنه وشعبه. يمثل رحيل البيض نهاية حقبة لشخصية محورية تركت بصمات عميقة في تاريخ اليمن المعاصر، من قيادته لحركة التحرر الوطني في الجنوب إلى دوره البارز في تحقيق الوحدة اليمنية.

وفي بيان رسمي مؤثر، خاطبت الرئاسة اليمنية أبناء اليمن قائلة: “ننعى نائب الرئيس السابق والأمين العام الأسبق للجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، علي سالم البيض، الذي فارق الحياة عن عمر يناهز 86 عاماً”. وأكد البيان أن اليمن قد خسر برحيله أحد أبرز القادة والرموز السياسية التي شكلت تاريخه الحديث، مشيداً بدوره كشريك أساسي ومخلص في إنجاز الوحدة اليمنية التاريخية في 22 مايو 1990. تلك الوحدة التي جسدت في حينها آمال وتطلعات اليمنيين نحو بناء دولة موحدة قوية، ترتكز على مبادئ الشراكة الوطنية الحقيقية وتطبيق سيادة القانون.

تحت عنوان “الرئاسة اليمنية تستعرض مناقب البيض”، استعرض البيان الرئاسي بإسهاب الأدوار النضالية الكبيرة للفقيد، مشيداً بكونه كان في طليعة الحركة الوطنية التي قادت إلى إنجاز مشروع الدولة الحديثة وتحقيق الاستقلال المجيد. وأكدت الرئاسة أن مسيرة البيض الحافلة “تفتح باباً للتأمل المسؤول في مسار الحركة الوطنية، ودروس الشراكة العادلة التي تمسك بها الفقيد، وأهمية معالجة قضايانا الوطنية بروح المؤسسة، والحوار البناء، وبما يصون كرامة اليمنيين ويحفظ تضحياتهم، ويؤسس للمستقبل المشرق الذي يستحقونه جميعاً”. هذه الكلمات تعكس اعترافاً عميقاً بإسهاماته وتدعو إلى استلهام العبر من تجربته في بناء الدولة.

تأكيداً لمكانة الفقيد، أعلنت الرئاسة اليمنية الحداد الرسمي في جميع أنحاء البلاد، مع تنكيس الأعلام لمدة ثلاثة أيام، وفتح سجلات العزاء في الداخل وعبر السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج. وقد وجه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد محمد العليمي، بإقامة مراسم عزاء رسمية تليق بمكانة البيض، وإرسال وفد رسمي رفيع المستوى يمثل مجلس القيادة الرئاسي والحكومة لتقديم واجب العزاء لعائلة الفقيد. كما تضمنت التوجيهات الرئاسية نقل جثمان البيض ودفنه بمراسم رسمية مهيبة في مسقط رأسه بمحافظة حضرموت، تلبية لوصيته وتكريماً لمسيرته السياسية والوطنية الطويلة. وقد قدم التعازي لعائلة الفقيد عدد من كبار المسؤولين، منهم رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، ورئيس البرلمان سلطان البركاني، ورئيس الحكومة شائع الزنداني، بالإضافة إلى سفير خادم الحرمين الشريفين في اليمن، محمد سعيد آل جابر، مما يعكس الإجماع على أهمية الفقيد.

مسيرة قائد: من النضال ضد الاستعمار إلى قيادة الوحدة

وُلد علي سالم البيض في فبراير عام 1939 بمحافظة حضرموت، في بيئة سياسية ملتهبة شهدت تراجع النفوذ الاستعماري البريطاني في جنوب اليمن. انخرط البيض مبكراً في صفوف حركة القوميين العرب، ثم أصبح من الكوادر الميدانية والسياسية الفاعلة في الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، التي قادت الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني. هذه الفترة شكلت وعيه السياسي وصقلت قدراته القيادية في خضم معارك التحرير.

بعد تحقيق استقلال المحافظات الجنوبية في 30 نوفمبر 1967 وتأسيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي)، برز البيض كأحد القيادات الشابة الواعدة. تولى مهام قيادية متعددة في الدولة والحزب الاشتراكي اليمني، الذي أصبح الحزب الحاكم، متدرجاً في المناصب الرفيعة ومشاركاً في بناء الدولة الاشتراكية الفتية التي واجهت تحديات داخلية وخارجية جمة.

شهدت مسيرته نقطة تحول كبرى عقب أحداث 13 يناير 1986 الدامية، وهي صراع دموي على السلطة داخل الحزب الاشتراكي اليمني. بعد هذه الأحداث، صعد البيض إلى منصب الأمين العام للحزب ورئيس لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. في هذه المرحلة، واجه اليمن الجنوبي أزمات اقتصادية خانقة وديوناً متراكمة، مما دفع القيادة الجنوبية إلى البحث عن حلول جذرية. بالتوازي، كانت هناك مفاوضات مستمرة بين شطري اليمن (الشمالي والجنوبي) لتحقيق حلم الوحدة.

في خطوة تاريخية، اتخذ البيض قراراً مصيرياً بالتعاون مع الرئيس الشمالي آنذاك، علي عبد الله صالح، لإعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، وقيام الجمهورية اليمنية. هذه الوحدة، التي طالما حلم بها اليمنيون، جاءت لتنهي عقوداً من الانقسام وتؤسس لدولة واحدة. تولى البيض منصب نائب رئيس الجمهورية الموحدة، في شراكة سياسية مع صالح.

تداعيات الوحدة والرحيل

لم تدم هذه الشراكة طويلاً، ففي مطلع عام 1994، نشبت خلافات عميقة بين الرئيس علي عبد الله صالح ونائبه علي سالم البيض، تفاقمت لتتحول إلى حرب أهلية مدمرة. هذه الحرب، التي عُرفت بحرب صيف 1994، انتهت بسيطرة قوات صالح على عدن في 21 مايو 1994، مما أجبر البيض على مغادرة البلاد والعيش في المنفى خارج اليمن. شكلت هذه الحرب نقطة تحول أخرى في تاريخ اليمن الحديث، وأدت إلى تعميق الانقسامات التي لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم.

تأثير رحيل البيض في المشهد اليمني المعاصر

يأتي رحيل علي سالم البيض في وقت يمر فيه اليمن بأحد أحلك فتراته التاريخية، حيث يعاني من صراع مسلح وتفكك سياسي واقتصادي. إن وفاة شخصية بحجم البيض، الذي كان رمزاً للوحدة ومن ثم للانفصال في مراحل لاحقة، قد تثير نقاشات واسعة حول تاريخ اليمن الحديث، وتحديات بناء الدولة، ومستقبل الوحدة اليمنية في ظل الظروف الراهنة. بالنسبة للكثيرين في الجنوب، يظل البيض يمثل رمزاً لمرحلة ما قبل الوحدة وللمطالب الجنوبية بالعدالة والمساواة.

إن قرار الرئاسة اليمنية بدفنه بمراسم رسمية في مسقط رأسه بحضرموت، وتنكيس الأعلام، يعكس محاولة لطي صفحة الماضي بكرامة والاعتراف بدوره التاريخي، بغض النظر عن الخلافات السياسية اللاحقة. هذه اللفتة قد تحمل دلالات رمزية في سياق المصالحة الوطنية المنشودة، وتذكّر بأن تاريخ اليمن غني بشخصيات معقدة أسهمت في تشكيل هويته، وأن الاعتراف بهذه الشخصيات جزء من بناء ذاكرة وطنية جامعة.

على الصعيد الإقليمي والدولي، قد لا يكون لوفاة البيض تأثير مباشر على مسار الصراع الحالي، لكنها تذكير بأهمية معالجة جذور الأزمات اليمنية، بما في ذلك القضايا الجنوبية التي كان البيض أحد أبرز رموزها. إنها دعوة للتأمل في دروس الماضي، وكيف يمكن لليمنيين تجاوز خلافاتهم لبناء مستقبل مستقر وموحد، يحفظ كرامة الجميع وتضحياتهم.

spot_imgspot_img