أعربت أكثر من 20 منظمة حقوقية يمنية اليوم (السبت) عن إدانتها واستنكارها الشديدين للإجراءات التي يتخذها الحوثي لإعدام 3 مختطفين من أبناء محافظة المحويت، مؤكدة في بيان مشترك أنهم في خطر وشيك يهدد حياتهم. وتأتي هذه الإدانة في سياق تصاعد الانتهاكات الحقوقية في اليمن، وتزامناً مع جهود دولية مكثفة لإحلال السلام في البلاد.
لطالما كان النزاع اليمني، الذي اندلع بشكل واسع منذ عام 2014، كارثة إنسانية بكل المقاييس، حيث أدت سنوات الصراع إلى تدهور غير مسبوق في الأوضاع المعيشية وتفكك مؤسسات الدولة، بما في ذلك النظام القضائي. في ظل هذا الواقع المعقد، برزت قضايا الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب كسمات متكررة للصراع، ووثقت منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية آلاف الحالات التي تعرض فيها المدنيون لانتهاكات جسيمة على يد جميع أطراف النزاع، بما في ذلك جماعة الحوثي.
وصفت المنظمات في بيانها قرارات الحوثي في تنفيذ الإعدام بـ«السياسية الجائرة»، وانتهاك صارخ لكافة القوانين الوطنية والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، مؤكدة أن هذه الإجراءات تفتقر كلياً لأي مشروعية قانونية أو قضائية، خاصة وأنها صادرة عما يسمى بـ«المجلس السياسي الأعلى» التابع للجماعة، والذي لا يتمتع بأي اعتراف دولي أو دستوري.
وقالت المنظمات في البيان: إن جماعة الحوثي بدأت فعلياً الإجراءات النهائية لتنفيذ قرارات الإعدام، من خلال تسليمها للمختطفين (إسماعيل محمد أبو الغيث، وصغير فارع، وعبد العزيز العقيلي) وإجبارهم على التوقيع عليها، عقب المصادقة عليها. هذا الإجراء يمثل تصعيداً خطيراً ويعكس استخفافاً واضحاً بحياة الأفراد وبالقوانين الدولية التي تحظر الإعدامات التعسفية.
إخفاء قسري وتعذيب ممنهج: انتهاكات ترقى لجرائم حرب
أشارت المنظمات إلى أن هذه الخطوة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل وجود مفاوضات جارية بين الفريق الحكومي وفريق الحوثيين في العاصمة العُمانية مسقط، التي أفضت إلى اتفاق مبدئي على تنفيذ صفقة تبادل تشمل نحو 3 آلاف مختطف لدى جميع الأطراف. هذا التوقيت يكشف بوضوح نية الحوثي استباق هذه الصفقة الإنسانية بتنفيذ قرارات الإعدام، في محاولة لفرض أمر واقع وتقويض أي مساعٍ إنسانية أو سياسية قائمة في ملف الأسرى والمختطفين. إن استخدام حياة المختطفين كورقة مساومة أو أداة للانتقام السياسي يعمق من الأزمة الإنسانية ويزيد من تعقيدات مسار السلام.
وتعرض المختطفون الثلاثة منذ اختطافهم في العام 2015 لجريمة الإخفاء القسري لمدة 5 سنوات متواصلة، دون أي مسوغ قانوني أو تواصل مع ذويهم، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. كما تعرضوا لأبشع صنوف التعذيب النفسي والجسدي، وصلت إلى حد تدهور أوضاعهم الصحية بشكل خطير وظهور الدود من أجسادهم، في انتهاك جسيم وممنهج لحقوقهم الأساسية. هذه الممارسات لا تشكل فقط انتهاكات فردية، بل ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي تستوجب المساءلة الدولية.
وأضافت المنظمات الحقوقية أن المحاكمات التي صدرت على إثرها هذه القرارات هي محاكمات سياسية صورية، افتقرت لأدنى معايير العدالة وضمانات المحاكمة العادلة، وشابتها خروقات جسيمة للقانون، من بينها انتزاع الاعترافات تحت التعذيب، وحرمان المتهمين من حق الدفاع، وانعدام استقلال القضاء. هذه الممارسات تقوض بشكل كامل مبدأ سيادة القانون وتؤكد أن النظام القضائي في مناطق سيطرة الحوثيين يتم استخدامه كأداة للقمع السياسي.
وشددت المنظمات على أن المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء، الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، محكمة غير شرعية وتفتقر إلى الولاية القضائية القانونية، بعد صدور قرار مجلس القضاء الأعلى بنقل اختصاص المحكمة الجزائية المتخصصة من صنعاء إلى محافظة مأرب، وإلغاء أي صلاحيات قضائية للمحكمة في صنعاء، وذلك حفاظاً على استقلال القضاء ومنع توظيفه لأغراض سياسية. وعليه، فإن كافة الأحكام والإجراءات الصادرة عن المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء تُعد باطلة بطلاناً مطلقاً، لصدورها عن جهة غير مختصة قانوناً، وبما يخالف أحكام الدستور اليمني والقانون الوطني والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
الصمت الدولي يشجع الحوثي ويقوض جهود السلام
حملت المنظمات الحقوقية جماعة الحوثي المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة المختطفين الثلاثة، معتبرة أن أي مساس بهم جريمة مكتملة الأركان تستدعي أقصى درجات الإدانة والمساءلة. إن تنفيذ هذه الإعدامات لن يؤدي إلا إلى تعميق جراح اليمنيين وزيادة الانقسام، مما يجعل مهمة بناء السلام والمصالحة أكثر صعوبة في المستقبل.
وطالبت المنظمات بوقف فوري وغير مشروط لتنفيذ أحكام الإعدام، والإفراج عن المختطفين، أو إدراجهم في الصفقة المزمع تنفيذها، داعية الأمم المتحدة، ومبعوثها الخاص إلى اليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وكافة المنظمات الدولية المعنية إلى التدخل العاجل والضغط الجاد لوقف هذه الجريمة الوشيكة. إن التدخل الدولي الفعال أصبح ضرورة ملحة لحماية أرواح الأبرياء والحفاظ على ما تبقى من أمل في التوصل إلى حل سلمي.
وأشارت إلى أن هذه الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة الدولية، ولن يفلت مرتكبوها من العقاب، منددة بصمت المجتمع الدولي إزاء هذه الجرائم. إن التقاعس عن اتخاذ إجراءات حازمة يشجع جماعة الحوثي على تكرار هذه الانتهاكات، ويقوض كل الجهود الرامية إلى السلام والاستقرار في اليمن، ويجعل من العدالة وحقوق الإنسان ضحية إضافية لهذا النزاع الطويل والمأساوي.


