في تطور جيوسياسي لافت، أجرى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أول زيارة رسمية له إلى العاصمة السورية دمشق، حيث التقى بنظيره السوري أحمد الشرع. شهد اللقاء، الذي حضره وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، مباحثات مكثفة توجت بالاتفاق على تبادل الخبرات العسكرية والأمنية بين البلدين. تأتي هذه الخطوة في مرحلة حساسة تشهد فيها الساحتان الإقليمية والدولية تحولات جذرية، مما يعكس رغبة مشتركة في تعزيز التعاون الثنائي وتأمين المصالح الاستراتيجية.
أبعاد التحالف الجديد: دمشق وكييف في مواجهة التحديات المشتركة
تأتي هذه الزيارة التاريخية في أعقاب تغييرات سياسية وميدانية كبرى شهدتها سوريا مؤخراً، والتي أدت إلى تسلم أحمد الشرع مقاليد السلطة وتشكيل حكومة جديدة بعد عقود من حكم النظام السابق المدعوم من روسيا. من جهة أخرى، تخوض أوكرانيا منذ عام 2022 حرباً دفاعية شرسة ضد الغزو الروسي. هذا التقاطع في المصالح، المتمثل في مواجهة النفوذ الروسي، يشكل أرضية صلبة للتقارب بين كييف ودمشق. وقد أكدت وكالة الأنباء السورية (سانا) أن الاستقبال الرسمي جرى في قصر الشعب بدمشق، بحضور وفود وزارية رفيعة المستوى، مما يعكس جدية الطرفين في تأسيس مرحلة جديدة من العلاقات الدبلوماسية والاستراتيجية.
آفاق تبادل الخبرات العسكرية والأمنية وتأمين خطوط الإمداد
لم تقتصر المحادثات على الجوانب الدبلوماسية، بل تعمقت لتشمل ملفات حيوية. فقد أوضحت المصادر الرسمية أن الجانبين ركزا على سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي. وفي ظل التوترات الدولية الراهنة، برزت أهمية ضمان أمن خطوط الإمداد الغذائي كأولوية قصوى لتعزيز الاستقرار. ونقلت وسائل إعلام غربية عن مستشار حكومي تأكيده أن المحادثات ارتبطت بشكل وثيق بقضايا الدفاع وسط التوترات التي يشهدها الشرق الأوسط. وهنا تبرز أهمية تبادل الخبرات العسكرية والأمنية، حيث تمتلك أوكرانيا تجربة حديثة ومكثفة في التكتيكات الدفاعية، بينما تسعى القيادة السورية الجديدة لبناء مؤسسات أمنية وعسكرية وطنية قادرة على حماية سيادة البلاد واستقرارها الداخلي.
الأمن الغذائي وإعادة بناء البنية التحتية: رؤية مشتركة للمستقبل
عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، شارك الرئيس الأوكراني تفاصيل إضافية حول اللقاء، مشيراً إلى أنه اتفق مع الرئيس السوري أحمد الشرع على العمل المشترك لتحقيق مزيد من الأمن وتوفير فرص التنمية للمجتمعات في كلا البلدين. وتطرق النقاش إلى دور أوكرانيا الحيوي كمورد عالمي موثوق للمنتجات الغذائية والحبوب، حيث تم بحث فرص التعاون لتعزيز الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، أبدى زيلينسكي تفهماً عميقاً للتحديات الكبيرة التي تواجهها سوريا في مرحلة ما بعد الحرب، خاصة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية. وأكد استعداد كييف للعمل المشترك لتوسيع الفرص المتاحة للبلدين والشعبين. هذا التعاون الاقتصادي والتقني من شأنه أن يسرع من عجلة التعافي في سوريا، ويفتح أسواقاً جديدة للمنتجات الأوكرانية.
جولات مكوكية لتعزيز التحالفات في الشرق الأوسط
لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن الحراك الدبلوماسي الأوكراني الواسع في المنطقة. فقد أجرى زيلينسكي الشهر الماضي جولة شرق أوسطية شملت المملكة الأردنية الهاشمية وعدداً من الدول الخليجية. تهدف هذه التحركات إلى حشد الدعم الدولي للقضية الأوكرانية، وتوضيح ملابسات الحرب الروسية ضد بلاده، فضلاً عن بناء شراكات استراتيجية جديدة بعيداً عن التحالفات التقليدية. إن مشاركة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في لقاء دمشق يضفي بعداً إقليمياً مهماً، حيث تلعب أنقرة دوراً محورياً في الملفين السوري والأوكراني، مما يمهد الطريق لتعاون ثلاثي قد يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية في المنطقة، ويساهم في إرساء دعائم سلام دائم وشامل.


