spot_img

ذات صلة

زيلينسكي يرفض لقاء بوتين في موسكو: الأسباب والتداعيات

في خطوة تعكس عمق الخلافات وتصلب المواقف بين كييف وموسكو، أعلن الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي رفضه القاطع للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الروسية. يأتي هذا الرفض في ظل استمرار الحرب وتصاعد التوترات، مع تأكيد زيلينسكي على أن التوصل إلى تسوية بشأن المناطق الشرقية من أوكرانيا التي تطالب بها بلاده لا يزال بعيد المنال، وهو ما يمثل حجر الزاوية في أي مفاوضات سلام محتملة.

خلفية تاريخية وسياق الصراع

منذ بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022، شهدت العلاقات بين البلدين تدهوراً غير مسبوق. ورغم جولات أولية من المفاوضات في بيلاروسيا وتركيا خلال الأشهر الأولى من الحرب، إلا أنها لم تسفر عن أي اختراق حقيقي. يرى الجانب الأوكراني أن لقاء القادة في موسكو، عاصمة الدولة المعتدية، سيكون بمثابة إضفاء شرعية على العدوان وتقويض لموقف أوكرانيا السيادي، فضلاً عن المخاوف الأمنية وانعدام الثقة التام. هذا الرفض يرسخ موقف كييف بأن أي مفاوضات جادة يجب أن تتم في مكان محايد وبشروط تضمن احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها.

شروط زيلينسكي للقمة ومبادرة الطاقة

شدد الرئيس زيلينسكي على أن الاتفاقات النهائية بشأن خطة السلام لا يمكن التوصل إليها إلا في اجتماع يضم القادة، مؤكداً استعداده لأي شكل من أشكال قمة القادة، بشرط ألا يكون اللقاء في موسكو أو بيلاروسيا. هذا الموقف يعكس إدراك كييف بأن تسوية شاملة تتطلب قراراً سياسياً رفيع المستوى، لكنها ترفض أي إطار قد يفسر على أنه استسلام أو قبول للواقع الذي فرضته روسيا بالقوة. وفي سياق متصل، طرح زيلينسكي مبادرة مشروطة تتعلق بوقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة، حيث أشار إلى أنه في حال أوقفت روسيا ضرباتها على البنية التحتية للطاقة الأوكرانية، فلن تضرب أوكرانيا البنية التحتية للطاقة الروسية. ولفت إلى أن هذه المبادرة، التي وصفها بأنها أمريكية وشخصية من الرئيس السابق دونالد ترامب، تمثل فرصة وليست اتفاقاً ملزماً، مما يبرز هشاشة أي تفاهمات محتملة في هذا الشأن.

الأراضي: القضية الجوهرية التي تعرقل السلام

من جانب الكرملين، صرح مستشار السياسة الخارجية يوري أوشاكوف بأن مسألة الأراضي ليست هي الوحيدة التي تعرقل التوصل إلى اتفاق محتمل لإنهاء القتال، دون أن يذكر القضايا الرئيسية الأخرى. ومع ذلك، أكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أن قضية الأراضي لا تزال أساسية بالنسبة لموسكو في مفاوضات السلام. وتطالب روسيا بتنازلات عن أراض من أوكرانيا كشرط لوقف إطلاق النار، خصوصاً انسحاب القوات الأوكرانية من منطقتي دونيتسك ولوغانسك، اللتين أعلنت روسيا ضمهما بشكل غير قانوني في سبتمبر 2022، بالإضافة إلى مناطق أخرى. وتريد موسكو أن تنسحب القوات الأوكرانية من نحو 20% من مساحة لم يسيطر عليها الجيش الروسي بعد من دونيتسك خصوصاً.

في المقابل، تؤكد كييف أنها لن تمنح موسكو أراضي لم تكسبها روسيا في ساحة المعركة، وتطالب الروس أيضاً بالانسحاب الكامل من جميع الأراضي المحتلة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم ومحطة زابوريجيا للطاقة النووية، أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا، والتي تقبع تحت سيطرة القوات الروسية منذ مارس 2022. تمثل هذه المحطة نقطة خلاف حساسة للغاية ليس فقط لأهميتها الاستراتيجية في إمداد أوكرانيا بالطاقة، بل أيضاً للمخاطر البيئية والأمنية الهائلة التي يشكلها وجود القوات العسكرية فيها.

تأثيرات الرفض على المسار الدبلوماسي

يعكس رفض زيلينسكي للقاء بوتين في موسكو حالة الجمود الدبلوماسي العميق. هذا الجمود له تداعيات محلية وإقليمية ودولية واسعة. محلياً، يعني استمرار الصراع والمعاناة الإنسانية والدمار. إقليمياً، يؤثر على الاستقرار في شرق أوروبا ويزيد من التوترات الجيوسياسية. دولياً، يلقي بظلاله على الأمن العالمي، ويؤثر على أسواق الطاقة والغذاء، ويضع تحديات أمام القانون الدولي ومبادئ السيادة. ورغم أن وفوداً من الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا اجتمعت مؤخراً في أول اجتماع ثلاثي لها منذ بدء الحرب، ومن المتوقع استئناف المفاوضات، إلا أن الخلافات الجوهرية حول الأراضي ومكانة أوكرانيا السيادية تجعل أي تقدم نحو سلام دائم أمراً بالغ الصعوبة في الوقت الراهن.

spot_imgspot_img