spot_img

ذات صلة

زيلينسكي يطالب بضغط دولي على روسيا لتنازلات السلام

في تطور دبلوماسي لافت، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن، على ضرورة ممارسة ضغط دولي مكثف على روسيا لدفعها نحو تقديم تنازلات حقيقية في محادثات السلام. جاء هذا التصريح بعد دعوة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب لأوكرانيا لتقديم تنازلات، وهو ما اعتبره زيلينسكي تقليلاً للضغط على بلاده في وقت حرج.

تأتي هذه المطالب في سياق صراع مستمر ومعقد بين أوكرانيا وروسيا، يعود بجذوره إلى سنوات طويلة من التوترات الجيوسياسية. فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، سعت أوكرانيا لتعزيز سيادتها وتوجهها نحو الغرب، بما في ذلك طموحات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو). هذه التطلعات اصطدمت بالرؤية الروسية التي تعتبر أوكرانيا جزءًا من مجال نفوذها التاريخي والأمني. تصاعدت التوترات بشكل كبير في عام 2014 مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعمها للانفصاليين في شرق أوكرانيا (دونباس)، مما أدى إلى صراع مسلح استمر لسنوات وشهد محاولات متكررة للتوصل إلى حلول دبلوماسية، أبرزها اتفاقيات مينسك التي لم تنجح في تحقيق سلام دائم. وفي فبراير 2022، تصاعد الصراع إلى غزو روسي واسع النطاق لأوكرانيا، مما قلب موازين الأمن في أوروبا والعالم.

خلال كلمته في ميونيخ، أوضح زيلينسكي أن أوكرانيا قدمت بالفعل تنازلات في عدة قضايا سابقة، لكنها لا تستطيع التخلي ببساطة عن أراضيها أو التضحية بآلاف الأرواح. وشدد على أن بلاده مستعدة لمناقشة العديد من القضايا، لكنها تنتظر تنازلات مماثلة من الجانب الروسي. واقترح الرئيس الأوكراني وقف إطلاق نار لمدة شهرين لإجراء انتخابات، مشيرًا إلى أن هذا يمكن أن يحدث إذا ما مارست الولايات المتحدة ضغطًا على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لفرض وقف لإطلاق النار، مما سيعيد القانون الدولي ويسمح بإجراء انتخابات حرة ونزيهة.

إن دعوات زيلينسكي للضغط على روسيا تحمل أهمية بالغة على عدة مستويات. محليًا، تسعى أوكرانيا للحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها، وتأمين مستقبل شعبها بعيدًا عن التهديدات المستمرة. إن أي تنازلات من روسيا يمكن أن تمهد الطريق لإنهاء الصراع الدموي الذي خلف دمارًا هائلاً وأزمة إنسانية كبرى. إقليميًا، يؤثر الصراع الأوكراني الروسي بشكل مباشر على الأمن الأوروبي. فاستمرار الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي، ويؤدي إلى تدفقات كبيرة للاجئين، ويؤثر على أسواق الطاقة والغذاء العالمية. إن التوصل إلى حل سلمي من شأنه أن يعيد بعض الاستقرار إلى القارة ويخفف من التوترات الجيوسياسية. دوليًا، يمثل هذا الصراع اختبارًا حاسمًا للنظام الدولي القائم على القواعد. فعدوان روسيا على أوكرانيا ينتهك مبادئ القانون الدولي وسيادة الدول، مما يستدعي ردًا دوليًا موحدًا لضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات. إن الضغط على روسيا لتقديم تنازلات يعكس التزام المجتمع الدولي بدعم أوكرانيا والحفاظ على مبادئ السلام والأمن العالميين.

وأشار زيلينسكي إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يبدو مهتمًا بأي شيء سوى الحرب، ولا يستطيع تخيل الحياة دون سلطة أو بعد السلطة. وأكد أن بلاده بحاجة إلى ضمانات أمنية قوية لتجنب أي صراعات مستقبلية. وتساءل: “إلى متى لن تكون هناك حرب أخرى؟” معربًا عن أمله في أن يسمع ترامب والكونغرس الأمريكي هذه النقطة بوضوح. وحذر الرئيس الأوكراني من وهم الاعتقاد بإمكانية إنهاء هذه الحرب بشكل موثوق به من خلال التضحية بأوكرانيا، مشبهًا ذلك بالاعتقاد الخاطئ بأن التضحية بتشيكوسلوفاكيا كانت ستنقذ أوروبا من حرب مدمرة في الماضي. هذا التأكيد يبرز رفض أوكرانيا لأي حلول تفرض عليها التنازل عن أراضيها أو سيادتها مقابل سلام هش.

في الختام، تتجلى رؤية زيلينسكي في ضرورة أن يكون أي حل مستقبلي مبنيًا على العدالة واحترام القانون الدولي، مع ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا. إن دعوته للضغط على روسيا ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي نداء لإنهاء صراع يهدد الأمن العالمي ويستنزف الموارد البشرية والمادية، وتأكيد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التزام جميع الأطراف بمبادئ السيادة والوحدة الإقليمية.

spot_imgspot_img