اختُتم أمس برنامج قافلة «دروب القوافل العاشرة» على درب زبيدة 2026، ضمن نطاق محمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، في فعالية ثقافية تاريخية استثنائية هدفت إلى إحياء أحد أعظم المسارات الحضارية في الجزيرة العربية، وإبراز عمقه التاريخي بوصفه شريانًا للحج والتجارة سلكته القوافل عبر قرون متعاقبة خلال دمج مسارات الإرث الثقافي بالنشاط البدني والمحافظة على الأصول التاريخية والمعالم المرتبطة بدرب زبيدة، الذي ظل شاهدًا على حركة الإنسان والعمران والتبادل الحضاري في قلب الصحراء.
درب زبيدة: شريان حضاري يعبر التاريخ
يُعد درب زبيدة، الذي سُمي تيمنًا بالسيدة زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، أحد أبرز الإنجازات الهندسية والحضارية في العصر العباسي. فقد أولت السيدة زبيدة اهتمامًا بالغًا بتسهيل رحلة الحج على المسلمين القادمين من العراق والمناطق الشرقية، فأنفقت أموالًا طائلة لإنشاء وتطوير هذا الدرب الذي يمتد لمسافة تزيد عن 1400 كيلومتر من الكوفة في العراق إلى مكة المكرمة. لم يكن الدرب مجرد طريق، بل شبكة متكاملة من المحطات، والآبار، والبرك، والقلاع الصغيرة، والمنازل التي وفرت للمسافرين الماء والمأوى والأمان. وقد لعب دورًا محوريًا في تعزيز الروابط الثقافية والاقتصادية بين مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وشكل محورًا للتبادل المعرفي والتجاري لقرون طويلة، مما جعله اليوم مرشحًا للانضمام إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو.
شهدت القافلة تنوعًا لافتًا في أنماط المشاركة، إذ توزّع المشاركون بين المشي على الأقدام، وركوب الخيل والإبل، وركوب الدراجات، إضافة إلى عروض الطيران الشراعي التي حلّقت في سماء المسار التاريخي، في مشهد أعاد إحياء صورة القوافل القديمة بروح معاصرة.
أهمية الحدث وتأثيره: إحياء التراث وتعزيز السياحة
تكتسب هذه الفعالية أهمية كبرى على عدة مستويات. فعلى الصعيد المحلي، تساهم في رفع الوعي بالتراث الوطني الغني للمملكة، وتشجع على السياحة الداخلية، وتوفر فرصًا اقتصادية للمجتمعات المحلية الواقعة على طول الدرب. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإنها تعزز مكانة المملكة العربية السعودية كوجهة ثقافية وسياحية رائدة، وتبرز جهودها في صون التراث الإنساني المشترك. يتماشى هذا الحدث بشكل مباشر مع أهداف رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل، وتطوير قطاع السياحة، وإثراء تجربة الزوار، وتقديم المملكة كمركز عالمي للثقافة والتراث والترفيه. كما أنه يمثل دعوة مفتوحة للمغامرين والمهتمين بالتاريخ من جميع أنحاء العالم لاكتشاف كنوز الجزيرة العربية.
امتدّت رحلة القافلة لمسافة (100) كيلومتر تقريباً، على مدى أربعة أيام، تخللتها محطات استراحة وتوقف ثقافي، شملت مواقع تاريخية بارزة على درب زبيدة، من بينها: جال الضبيب، وشامة كبد، وزرود، والمهينية، والأجفر، في تظاهرة ثقافية جسّدت أصالة المكان وثراء ذاكرته.
وشارك فيها أكثر من (250) مغامراً يمثلون (18) دولة، في تجربة عالمية امتزجت فيها أصالة الماضي بروح الاكتشاف والمغامرة، وقدّمت نموذجاً حيًّا لإعادة اكتشاف إرث المملكة العريق بلمسة دولية تعكس مكانته التاريخية والثقافية، وتؤكد على قدرة التراث على جمع الشعوب والثقافات.


