صعيد عرفات يستقبل حجاج بيت الله الحرام لأداء ركن الحج الأعظم
مع إشراقة شمس يوم التاسع من ذي الحجة، تتجه قلوب وأبصار الملايين من المسلمين نحو صعيد عرفات الطاهر، حيث تتوجه جموع حجاج بيت الله الحرام لأداء ركن الحج الأعظم، في يوم مشهود وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أفضل الأيام. يقف المسلمون في هذا المكان المبارك منذ طلوع الشمس حتى غروبها، في مشهد إيماني مهيب يجسد الوحدة والمساواة، رافعين أكف الضراعة إلى الله، طالبين المغفرة والرحمة.
يوم عرفة: ركن الحج الأعظم ومغفرة الذنوب
يكتسب الوقوف بعرفة أهميته القصوى في شعائر الحج، فهو الركن الذي لا يصح الحج بدونه، مصداقاً لقول النبي الكريم “الحج عرفة”. يعود تاريخ هذا اليوم العظيم إلى السنة العاشرة للهجرة، عندما وقف النبي محمد عليه الصلاة والسلام على جبل الرحمة وألقى خطبة الوداع الشهيرة، التي أرسى فيها مبادئ الإسلام السمحة وقيم العدل والإنسانية. ومنذ ذلك الحين، يتبع المسلمون سنته في الوقوف بهذا المكان، مستشعرين عظمة الزمان والمكان. إنه يوم العتق من النار ومباهاة الله بأهل الموقف للملائكة، حيث ينشغل الحاج بالدعاء والتلبية والذكر، ويكثر من الاستغفار والتكبير والتهليل، متجهاً إلى الله بقلب خاشع ونفس منكسرة.
جهود سعودية متكاملة لخدمة ضيوف الرحمن في صعيد عرفات
لضمان سلاسة هذا التجمع المليوني، استنفرت المملكة العربية السعودية كافة طاقاتها وخبراتها المتراكمة. بدأت خطة التصعيد إلى مشعر عرفات منذ مغرب يوم التروية، وسط تنسيق عالي المستوى بين جميع الجهات المشاركة في خدمة الحجاج. وقد تم توظيف أحدث التقنيات ووسائل الذكاء الاصطناعي في إدارة الحشود والتحكم والمراقبة، لضمان انسيابية الحركة وتوفير أقصى درجات الأمان. ويعد مشعر عرفات، الذي يقع خارج حدود الحرم المكي بنحو 22 كيلومتراً، السهل المنبسط الذي يحتضن جبل الرحمة، وقد تم تجهيزه بالكامل لاستقبال ضيوف الرحمن.
وتتكامل الجهود لتقديم منظومة خدمات شاملة؛ حيث تواصل قوات الدفاع المدني جولاتها الرقابية للتأكد من جاهزية أنظمة الوقاية من الحريق في مخيمات الحجاج. وفي الجانب الصحي، فعَّلت وزارة الصحة 30 وحدة صحية ومستشفيات ميدانية، بما في ذلك مستشفى شرق عرفات ومستشفى جبل الرحمة، مدعومة بآلاف الكوادر الطبية والإسعافية للتعامل الفوري مع أي حالة طارئة، خاصة حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس.
بيئة مريحة ومستدامة في المشاعر المقدسة
لمواجهة تحدي ارتفاع درجات الحرارة، تم تنفيذ مشاريع نوعية لتلطيف الأجواء. ففي محيط مسجد نمرة، أسهم مشروع تطوير الساحات في خفض الحرارة عبر زراعة أكثر من 2000 شجرة وتوفير 320 مظلة و350 مروحة رذاذ. كما يمتد مشروع تبريد متكامل على مساحة تتجاوز 272 ألف متر مربع حول جبل الرحمة، مما يخلق بيئة أكثر راحة للحجاج ويثرى تجربتهم الإيمانية. هذه المشاريع لا تخدم الحجاج في هذا اليوم فحسب، بل تمثل استثماراً مستداماً في تحسين البنية التحتية للمشاعر المقدسة.
رحلة إيمانية من الشروق إلى الغروب
يقضي الحاج يومه في عرفة متفرغاً للعبادة، ومن السنة أن ينزل في “نمرة” إن تيسر له، ويصلي الظهر والعصر جمعاً وقصراً، ويستمع إلى خطبة يوم عرفة التي تُلقى من مسجد نمرة. وبعد غروب شمس هذا اليوم المبارك، تبدأ قوافل الحجيج بالنفير إلى مشعر مزدلفة، في رحلة إيمانية جديدة، ليصلّوا بها المغرب والعشاء جمع تأخير، ويبيتوا ليلتهم هناك، ملبين ذاكرين، استعداداً لرمي الجمرات في يوم النحر وأيام التشريق، ليكملوا بذلك مناسك حجهم.


