الصدر يطالب بـ فصل الحشد الشعبي عن النفوذ الحزبي والطائفي: دعوة لإعادة بناء الدولة
في خطوة تعكس سعيه المتواصل لترسيخ سيادة الدولة العراقية، دعا زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، اليوم الأربعاء، إلى فصل الحشد الشعبي عن الأوامر الحزبية والطائفية. هذا الإعلان جاء متزامناً مع إعلانه عن انفصال «سرايا السلام»، التشكيل العسكري التابع له، انفصالاً تاماً عن التيار الصدري وإلحاقها الكامل بالدولة ومسؤولها العام عن التشكيلات العسكرية. وقد نشر الصدر هذا البيان عبر منصة إكس (تويتر سابقاً)، مؤكداً أن هذه الخطوة تأتي انطلاقاً من المصلحة العامة للوطن وتفادياً للمخاطر المحدقة به، ومطالباً بتحويل الجهات المدنية الملحقة بالسرايا إلى «البنيان المرصوص» دون أي مظاهر عسكرية.
الجذور التاريخية لتشكيل الحشد الشعبي ودور سرايا السلام
لفهم عمق دعوة الصدر، لا بد من استعراض السياق التاريخي الذي أدى إلى تشكيل الحشد الشعبي. في عام 2014، ومع اجتياح تنظيم داعش الإرهابي لمساحات واسعة من شمال العراق وتهديده للعاصمة بغداد والمقدسات الدينية، أصدر المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي. استجابة لهذه الفتوى، تشكلت فصائل الحشد الشعبي من متطوعين عراقيين من مختلف الأطياف، ولعبت دوراً محورياً وحاسماً في دحر داعش وتحرير الأراضي العراقية. كانت «سرايا السلام» إحدى هذه التشكيلات، حيث تأسست بدعوة من مقتدى الصدر في يونيو 2014 بالتنسيق مع الحكومة العراقية، بهدف حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية. وقد أثبتت السرايا فعاليتها في معارك مهمة مثل الدفاع عن سامراء والمشاركة في استعادة تكريت والموصل، مما يؤكد دورها البارز في حفظ الأمن القومي العراقي.
تُعد «سرايا السلام» امتداداً مطوراً لفصيل «جيش المهدي» الذي أسسه الصدر أواخر عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، والذي أعلن الصدر حله عام 2008. هذا التاريخ يظهر نمطاً في تعامل الصدر مع التشكيلات المسلحة، حيث يميل إلى تشكيلها في أوقات الأزمات ثم الدعوة إلى دمجها أو حلها لتعزيز سلطة الدولة، مما يعكس رؤيته لدولة قوية وموحدة.
تداعيات فصل الحشد الشعبي على المشهد العراقي
إن دعوة الصدر لـ فصل الحشد الشعبي عن الولاءات الحزبية والطائفية ليست جديدة، بل هي جزء من مطالباته المتكررة منذ سنوات. هذه الدعوة تحمل أهمية قصوى للمستقبل السياسي والأمني للعراق. فبعد إقرار قانون الحشد الشعبي في عام 2016، والذي اعتبره جزءاً من القوات المسلحة العراقية وربطه بالقائد العام، لا يزال الجدل قائماً حول مدى استقلالية بعض فصائله عن الأجندات السياسية والحزبية. إن استمرار ارتباط هذه التشكيلات بجهات حزبية أو طائفية يمكن أن يقوض سلطة الدولة المركزية، ويضعف مؤسساتها الأمنية، ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويزيد من حدة التوترات الداخلية.
يهدف الصدر من خلال هذه الدعوة إلى تعزيز مفهوم الدولة الواحدة التي تحتكر السلاح وتتخذ القرارات الأمنية والسياسية بشكل مستقل، بعيداً عن تأثيرات الفصائل المسلحة التي قد تعمل وفق أجندات خاصة. وقد طالب الصدر في وقت سابق الحكومة العراقية بحل جميع الفصائل المسلحة وإبعادها تماماً عن التشكيل الوزاري، معتبراً أن من يرفض ذلك يُعد «خارجاً عن القانون». كما شدد على ضرورة تحويل الفصائل المسلحة إلى تشكيلات إنسانية للإغاثة وتقديم المعونات، تحت إشراف هيئات مدنية. هذه الرؤية تهدف إلى بناء دولة قوية ومستقرة، قادرة على حماية مواطنيها وتوفير الأمن دون تداخلات أو ولاءات متعددة.
إن تحقيق هذا الفصل سيساهم بشكل كبير في استقرار العراق على المدى الطويل، ويعزز الثقة في المؤسسات الحكومية، ويقلل من فرص تصاعد العنف أو عودة الصراعات الداخلية. كما أنه سيعزز مكانة العراق كدولة ذات سيادة كاملة على أراضيها وقراراتها، مما ينعكس إيجاباً على علاقاته الإقليمية والدولية.


