في خضم التوترات المتصاعدة بين واشنطن وطهران، تبرز ملامح رغبة مشتركة في الجلوس إلى طاولة المفاوضات، مدفوعة بإدراك استراتيجي لدى الطرفين بأن استمرار الأزمة الحالية يحمل تكلفة باهظة. تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى تحقيق ما تعتبره إنجازاً دبلوماسياً تاريخياً عبر صياغة اتفاق ترامب مع إيران، يكون بديلاً جذرياً عن الاتفاق النووي لعام 2015. في المقابل، تواجه إيران استنزافاً اقتصادياً حقيقياً تحت وطأة سياسة “الضغط الأقصى”، مما يجعلها تبحث عن مخرج يحفظ مصالحها الحيوية.
جذور الأزمة: من اتفاق 2015 إلى سياسة الضغط الأقصى
لفهم المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى “خطة العمل الشاملة المشتركة” (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي، التي أبرمتها إيران مع مجموعة دول (5+1) في عام 2015. هدف الاتفاق إلى تقييد برنامج إيران النووي بشكل كبير مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية عنها. لكن الرئيس ترامب، ومنذ حملته الانتخابية، كان من أشد منتقدي الاتفاق، معتبراً أنه لم يعالج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو نفوذها الإقليمي المزعزع للاستقرار. وفي مايو 2018، أعلن ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وأعاد فرض عقوبات قاسية، مطلقاً بذلك استراتيجية “الضغط الأقصى” بهدف إجبار طهران على العودة إلى مفاوضات بشروط أمريكية.
شروط جديدة على الطاولة: هل ينجح اتفاق ترامب مع إيران؟
تتجاوز رؤية ترامب مجرد تعديل الاتفاق السابق؛ فهو يسعى لصفقة شاملة تعالج ما يعتبرها “أخطاء الماضي”. وتتركز المحددات الأمريكية الرئيسية في ثلاث نقاط جوهرية. أولاً، شروط نووية ومالية متصلبة تمنع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل دائم، مع رفض أي تخفيف للعقوبات دون تغيير جوهري في سلوك طهران. ثانياً، ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، وإنهاء أي سيطرة إيرانية عليه. ثالثاً، تفكيك النفوذ الإقليمي الإيراني عبر تحجيم دور وكلائها في المنطقة، مع التلويح المستمر بالردع العسكري. تصريحات ترامب الحازمة، مثل “إيران تريد عقد اتفاق، وسنبرم معها اتفاقاً أو سننهي المهمة”، تؤكد أن الدبلوماسية تظل خياره المفضل، لكنها دبلوماسية مدعومة بالتهديد لانتزاع أقصى المكاسب.
الموقف الإيراني: خطوط حمراء ومناورات تكتيكية
في المقابل، لا تدخل إيران هذه المفاوضات من موقع المستسلم. فطهران تدير اللعبة بحذر، وتضع خطوطها الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، مثل حقها في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية ودورها في تأمين مضيق هرمز. بدلاً من المواجهة المباشرة، تلجأ إيران إلى تكتيك تفكيك استراتيجية الضغط الأمريكية عبر تجزئة الملفات، ومقايضة التهدئة الميدانية في ملفات معينة، كأمن الملاحة، بالحصول على متنفس اقتصادي عبر الإفراج عن بعض الأرصدة المجمدة. هذه المقاربة تهدف إلى تخفيف العبء الاقتصادي ومنحها وقتاً أطول في المفاوضات المعقدة حول الملف النووي الأساسي.
اليوم، يقف الملف أمام خيارين: إما أن تنجح لغة التهديد والضغط في انتزاع صفقة حقيقية ومختلفة تلبي الشروط الأمريكية، أو أن تفضي الحسابات الواقعية في النهاية إلى تسوية محدودة، قد تبدو في جوهرها إعادة إنتاج لاتفاق 2015، مع اختلاف في الخطاب وليس في النتائج الجوهرية، مما يثبت أن تغيير الماضي ليس بالأمر السهل.


