spot_img

ذات صلة

اقتصاد الانتباه وصناعة الترند: العرفج يحلل الخوارزميات بجدة

في ظل التسارع الرقمي الرهيب الذي يشهده العالم اليوم، بات مفهوم اقتصاد الانتباه المحرك الأساسي لكبرى الشركات التكنولوجية والمنصات الرقمية العالمية. وفي هذا السياق، واستمراراً لجهود التوعية المعرفية، استضافت جمعية الثقافة والفنون بجدة الكاتب الدكتور أحمد العرفج في أمسية ثقافية مميزة حملت عنوان “هيمنة الترند”، حيث سلط الضوء على كيفية تحكم الخوارزميات في توجيه اهتمامات المجتمعات وإعادة تشكيل الوعي العام، بحضور نخبة من المثقفين والإعلاميين والفنانين، وذلك ضمن برنامج المعايدة السنوي بمناسبة عيد الأضحى المبارك.

الجذور التاريخية لظهور اقتصاد الانتباه وهيمنة الخوارزميات

تاريخياً، تعود جذور مصطلح اقتصاد الانتباه إلى أواخر القرن العشرين، وتحديداً عندما طرحه عالم النفس والاقتصاد الحائز على جائزة نوبل هيربرت سيمون، مبيناً أن وفرة المعلومات تخلق ندرة في الانتباه البشري. ومع تطور شبكة الإنترنت وظهور منصات التواصل الاجتماعي في مطلع الألفية الجديدة، تحول هذا المفهوم من إطار نظري إلى نموذج عمل تجاري تبلغ قيمته تريليونات الدولارات. المنصات الرقمية اليوم لا تبيع محتوى فحسب، بل تبيع وقت المستخدمين وانتباههم للمعلنين، وهو ما جعل الخوارزميات أداة فائقة الدقة لمراقبة السلوك البشري وتوجيهه بشكل مستمر.

كواليس صناعة الترند وتزييف الرأي العام

خلال الأمسية التي امتدت لأكثر من 4 ساعات، أوضح الدكتور أحمد العرفج أن “الترند” ليس وليد الصدفة أو العشوائية، بل هو نتاج خوارزميات دقيقة تدرس سلوك المستخدم وتفضيلاته وتدفع له بمحتوى مخصص يضمن بقاءه أطول فترة ممكنة على المنصة. وحذر العرفج من أن بعض موجات المحتوى الرائج قد تمنح المتلقي انطباعاً مضللاً بأن ما يشاهده يمثل رأي الأغلبية، بينما هو في الواقع مجرد تضخيم خوارزمي لرأي الأقلية، مما يساهم في تزييف الوعي الجمعي وتوجيه السلوكيات دون إدراك كامل من المستخدمين.

الأثر الاجتماعي والإقليمي للمنصات الرقمية كشريك تربوي

لم يعد تأثير هذه المنصات محصوراً في الجانب الترفيهي، بل امتد ليصبح شريكاً أساسياً ومؤثراً في التربية والتنشئة الاجتماعية وتشكيل منظومة القيم لدى الأجيال الناشئة. وأشار العرفج إلى أن الحضور الدائم للكاميرا وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية قلص مساحات العفوية الإنسانية وحول المواقف الحياتية إلى محتوى رقمي استهلاكي. محلياً وإقليمياً، يفرض هذا التحول تحديات كبيرة على الهوية الثقافية والاجتماعية، مما يتطلب تضافر الجهود بين الأسر والمؤسسات التعليمية لتعزيز الوعي الرقمي وحماية المجتمعات من الآثار السلبية للتدفق المعلوماتي الموجه.

إعادة تعريف الشهرة والوعي الرقمي كمسؤولية وطنية

تطرق العرفج أيضاً إلى ظاهرة “غرباء الشكل” وكيف أعادت المنصات الرقمية تعريف مفهوم الشهرة؛ حيث تحولت شخصيات كانت تقدم سابقاً في عروض السيرك والفرجة إلى نجوم وصناع محتوى يمتلكون ملايين المتابعين وتأثيراً واسعاً. واختتم العرفج حديثه بالتشديد على أن التعامل الواعي مع التكنولوجيا لم يعد ترفاً تقنياً، بل هو مسؤولية وطنية ترتبط مباشرة بحماية الأمن الفكري للمجتمع وصون قيمته الثقافية، داعياً إلى تفعيل التفكير النقدي واستثمار الوقت في البناء والتنمية المعرفية.

تكريم العرفج ودور جمعية الثقافة والفنون بجدة

من جانبه، أكد مدير جمعية الثقافة والفنون بجدة، الأستاذ محمد آل صبيح، أن اختيار موضوع الأمسية جاء نظراً لارتباطه المباشر بحياة الناس اليومية وأبعاده الوطنية والثقافية الهامة. وأشار إلى الدور الحيوي للمؤسسات الثقافية في مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة وتنمية الوعي المجتمعي. وفي ختام الفعالية، كرمت الجمعية الدكتور أحمد العرفج تقديراً لإسهاماته الفكرية المتميزة وإثرائه للحراك الثقافي.

spot_imgspot_img