كشفت منظمة “سياج” لحماية الطفولة عن أرقام صادمة تعكس المأساة الإنسانية المستمرة التي يعيشها أطفال اليمن، حيث يواجه أكثر من 21.5 مليون طفل وطفلة مخاطر جسيمة تهدد حياتهم ومستقبلهم. وأشارت المنظمة في ورقة عمل حديثة إلى أن استمرار الحرب والانهيار الشامل لمنظومة الحماية الاجتماعية والقانونية أدى إلى تفاقم معدلات العنف، والاستغلال، وسوء المعاملة بشكل غير مسبوق في مختلف المحافظات اليمنية.
خلفية الصراع وتأثيره المدمر على الطفولة
يعود هذا التدهور الكارثي إلى الصراع المسلح المستمر في اليمن منذ عام 2014، عقب سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء. هذا الصراع الطويل لم يدمر البنية التحتية للبلاد فحسب، بل أدى إلى انهيار شبه كامل للخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية. ووفقاً للتقارير الأممية، فإن اليمن يمر بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يدفع الصغار الثمن الأكبر لهذه الحرب التي سلبتهم أبسط حقوقهم في الحياة والتعليم والنمو السليم.
زواج القاصرات والتسرب من التعليم يهددان مستقبل أطفال اليمن
استعرض رئيس منظمة “سياج”، أحمد القرشي، خلال حلقة نقاشية بعنوان “الأطفال بين خطر الاعتداء وثغرات الحماية” (نظمتها مؤسسة القسطاس للعدالة والحقوق بالتعاون مع منصة أطفال اليمن)، إحصائيات مرعبة حول واقع الطفولة. وأوضح القرشي أن نسبة زواج القاصرات في المناطق الريفية باليمن وصلت إلى مستوى صادم بلغ نحو 80% خلال السنوات الخمس الأخيرة، كأحد التداعيات المباشرة للفقر والنزوح المتكرر للأسر.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الأرقام إلى أن طفلاً واحداً من بين كل أربعة أطفال بات خارج المنظومة التعليمية تماماً. هذا الانقطاع عن التعليم لا يحرمهم من المعرفة فحسب، بل يجعلهم فريسة سهلة لشبكات الاستغلال وعمالة الأطفال الشاقة في ظل غياب الرقابة القانونية والأسرية.
المراكز الصيفية الحوثية: بيئات للتجنيد القسري والانتهاكات الجسيمة
حذرت منظمة “سياج” بشكل خاص من المخاطر المحدقة بالصغار جراء المراكز الصيفية التي تديرها جماعة الحوثي. وأوضحت المنظمة أن الجماعة أقرت عبر مسؤوليها باستيعاب نحو مليون و500 ألف طفل وطفلة في أكثر من 9100 مركز صيفي، والتي تحولت بحسب تقارير حقوقية إلى معسكرات لتخريج دفعات عسكرية وتجنيد الأطفال. وقد تم توثيق تخرج آلاف الأطفال، من بينهم 4000 طفل من محافظة تعز وحدها تم زجهم في جبهات القتال.
وتؤكد التقارير الصادرة عن فريق الخبراء الدوليين التابع للأمم المتحدة وجهات حقوقية محلية ودولية، أن هذه المراكز تحولت إلى بيئات خصبة للتجنيد القسري، والتعذيب، والاستغلال الجنسي، وهي ممارسات خطيرة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني.
أزمة الهوية والنزوح: حرمان من الحقوق الأساسية
من بين الجوانب المأساوية الأخرى التي كشف عنها التقرير، يفتقر نحو 47% من الأطفال النازحين الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين إلى شهادات ميلاد رسمية. هذا الحرمان من الوثائق الثبوتية الأساسية يعزل هؤلاء الأطفال قانونياً، ويحرمهم من الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، كما يضاعف من خطر تعرضهم للاختطاف، والتجنيد، والاتجار بالبشر دون القدرة على تتبعهم أو حمايتهم قانونياً.
التأثيرات الإقليمية والدولية ودعوات للتحرك العاجل
لا تقتصر آثار هذه الكارثة الإنسانية على الداخل اليمني فحسب، بل تمتد لتشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. إن نشوء جيل كامل محروم من التعليم والتربية السوية، وخاضع لعمليات غسيل أدمغة وتدريب عسكري مكثف، يغذي بؤر التطرف والعنف في المنطقة لسنوات قادمة ويقوض فرص السلام المستدام.
وبناءً على هذه المعطيات الخطيرة، وجهت منظمة “سياج” نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة بضرورة الانتقال من مرحلة الإدانة والقلق إلى اتخاذ خطوات عملية وفعالة لحماية الصغار في اليمن. وطالبت المنظمة بتخصيص الموارد المالية واللوجستية اللازمة لمكافحة الجرائم والانتهاكات الموجهة ضدهم، والعمل على إعادة دمج الأطفال المجندين في المجتمع وتوفير بيئات تعليمية آمنة لهم.


