spot_img

ذات صلة

جرائم النظام السوري في درعا: سقوط شبكة أمنية متورطة بالتغييب

أعلنت وزارة الداخلية السورية عن إلقاء القبض على متهمين جدد ينتمون لشبكات أمنية عاثت فساداً في الجنوب السوري، كاشفةً عن تفاصيل مروعة توثق جرائم النظام السوري في درعا طيلة السنوات الماضية. وجاء هذا الإعلان في إطار التحقيقات المستمرة مع الموقوفين المتورطين في عمليات الاعتقال التعسفي، والتغييب القسري، والابتزاز المالي الممنهج بحق المدنيين، مما يسلط الضوء مجدداً على ملف الانتهاكات الواسع في هذه المحافظة ذات الرمزية التاريخية الكبيرة.

تفاصيل سقوط شبكة “العامودي” وشركائه في درعا

وفقاً للبيان الرسمي الصادر عن الوزارة عبر منصاتها الرقمية، فقد تم توقيف المدعوين “حسن علي قوجة” و”أجوان أحمد كرجوت” في محافظة درعا. وتأتي هذه الخطوة استكمالاً للتحقيقات الجارية مع القيادي في الميليشيات المحلية “رأفت أنور العامودي”، الذي تم اعتقاله في وقت سابق بالتنسيق بين قوى الأمن الداخلي وإدارة مكافحة الإرهاب.

وأظهرت التحقيقات تورط هذا الثلاثي في انتهاكات أمنية وعسكرية جسيمة داخل مدينة درعا. وشملت هذه الأنشطة إدارة حاجز “حميدة الطاهر” سيئ السمعة في حي السحاري، والمشاركة المباشرة في حملات مداهمة واعتقال طالت عشرات المواطنين في حي الكاشف، واقتيادهم قسراً إلى مقر الفرقة 15 سابقاً المعروف بـ “البناء الأحمر”، والذي تحول على مدار سنوات إلى مركز للاحتجاز والتعذيب والتغييب.

الابتزاز المالي والتنسيق مع الأجهزة الأمنية السابقة

لم تقتصر ممارسات هذه الشبكة على الاعتقال والتغييب، بل امتدت لتشمل تجارة دماء المعتقلين ومعاناة ذويهم. وكشفت السجلات الأمنية أن “العامودي” كان يعمل بتنسيق مباشر مع قادة بارزين في أجهزة النظام السوري السابقة، وعلى رأسهم رئيس فرع الأمن العسكري السابق العميد وفيق الناصر، وبإشراف مباشر من المساعد أسامة أبو جعفر، فضلاً عن تعاونه الوثيق مع فرع المخابرات الجوية بقيادة العقيد قصي ميهوب.

وكانت الشبكة تقوم بتسليم الناشطين والمطلوبين للأجهزة الأمنية، ثم تبدأ مرحلة أخرى من الجريمة تتمثل في ابتزاز عائلات الضحايا مالياً. حيث تفاوضت الشبكة مع الأهالي للحصول على مبالغ مالية طائلة مقابل وعود كاذبة بالإفراج عن أبنائهم المغيبين، مستغلةً غياب القانون وسلطة السلاح لجمع ثروات غير مشروعة على حساب آلام السوريين.

السياق التاريخي لـ جرائم النظام السوري في درعا

تعتبر محافظة درعا، التي انطلقت منها شرارة الاحتجاجات الشعبية في عام 2011، واحدة من أكثر المناطق التي عانت من القبضة الأمنية الحديدية. ورغم اتفاقيات “التسوية” والمصالحات التي فرضت على المنطقة في عام 2018 برعاية دولية، إلا أن الانتهاكات لم تتوقف. فقد استمرت الأجهزة الأمنية والميليشيات المحلية المرتبطة بها، مثل “اللجان الشعبية”، في ملاحقة وتصفية وتغييب كل من يعارض وجودها.

إن الكشف عن هذه الشبكات اليوم يعيد إلى الأذهان الممارسات الممنهجة التي اتبعتها الأجهزة الاستخباراتية لقمع الحراك الشعبي، حيث تحولت الحواجز العسكرية إلى مصائد للمدنيين، وأصبحت مقرات مثل “البناء الأحمر” رموزاً للترهيب والتغييب القسري الذي طال آلاف العائلات في الجنوب السوري دون أي رادع قانوني أو أخلاقي.

الأهمية والارتدادات المحلية والدولية لتفكيك شبكات الفساد

يحمل تفكيك هذه الشبكات الأمنية ومحاسبة أفرادها دلالات هامة على الصعيدين المحلي والدولي. محلياً، يمثل هذا الإجراء خطوة أولى نحو تحقيق العدالة الانتقالية وإنصاف الضحايا في درعا، كما يساهم في تخفيف الاحتقان الشعبي المتراكم نتيجة سنوات من الظلم والابتزاز. إن ملاحقة هؤلاء المجرمين تبعث برسالة طمأنة للأهالي بأن المحاسبة قادمة لا محالة، وأن عهد الإفلات من العقاب بدأ يتلاشى تدريجياً.

أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن توثيق هذه الجرائم ومحاكمة المتورطين فيها يعزز من ملفات حقوق الإنسان المرفوعة ضد مرتكبي الانتهاكات في سوريا أمام المحاكم الدولية. كما يؤكد للمجتمع الدولي ضرورة استمرار الضغط من أجل الكشف عن مصير آلاف المغيبين قسرياً في سجون النظام، كشرط أساسي لأي حل سياسي مستدام وشامل في البلاد يضمن حقوق المواطنين وكرامتهم.

spot_imgspot_img