spot_img

ذات صلة

الشاعر صالح السهلي: قصائد النخبة أقرب لذائقتي الفنية

في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر بالمملكة العربية السعودية، يبرز الشاعر صالح السهلي كأحد الأصوات الشعرية الرصينة التي نجحت في الموازنة بين أصالة الموروث الشعبي وعمق التجربة الإبداعية الحديثة. استطاع السهلي عبر مسيرته الحافلة أن يصنع حضوراً استثنائياً يرتكز على صدق المشاعر واحترام قدسية القصيدة، بعيداً عن صخب البحث عن الأضواء والشهرة الزائفة. وفي هذا الحوار الشيق، يفتح لنا أبواب تجربته الشعرية والإنسانية، متحدثاً عن فلسفته الخاصة في الكتابة وعلاقته بالجمهور والمنصات الرقمية.

حائل الملهمة: الجذور التاريخية لإبداع الشاعر صالح السهلي

لطالما كانت منطقة حائل، بشمالها المهيب وجبالها الشامخة مثل أجا وسلمى، مهداً للشعر والفروسية والكرم العربي الأصيل منذ عصر حاتم الطائي. هذا الإرث التاريخي والجغرافي العريق ألقى بظلاله مباشرة على تكوين وعي السهلي الإبداعي؛ فالبيئة الحائلية ليست مجرد مكان ولادة بالنسبة له، بل هي ذاكرة حية تسكن نصوصه وتمنحها تلك النبرة المغايرة والمختلفة. يرى السهلي أن حائل تدين لها القصيدة بجمالها وعنفوانها، حيث أسهمت مجالس الرجال الأوائل في نشأته في صقل حكمته وتلقينه أن “العقل عقال” يقيد اندفاع الرجل ويجعله أكثر حلماً وعلماً، مستذكراً نصيحة والده الخالدة بأن “نصف المعرفة ورطة”.

بين ذائقة النخبة ومنصات التواصل الاجتماعي

يطرح اللقاء تساؤلات جوهرية حول تحولات المشهد الشعري في عصر الرقمنة. وفي زمن باتت فيه منصات التواصل الاجتماعي تفرض معاييرها الخاصة على الأدب، يرى السهلي أن الانتشار السريع قد يخدم الشاعر من حيث الوصول، لكنه يضع صلابته ومشروعه الفني تحت اختبار حقيقي. فالمنصات الرقمية قد تمنح حضوراً مؤقتاً، لكن النص القوي وحده هو الكفيل بتحقيق البقاء والخلود. وفي هذا السياق، يعترف السهلي صراحة بأن “شاعر النخبة” هو الأقرب إلى ذائقته الفنية، مشيراً إلى مفارقة عجيبة في مسيرته؛ وهي أن أكثر قصائده شهرة بين الجماهير هي أقلها إبداعاً من وجهة نظره الخاصة، مما يعكس الفجوة أحياناً بين معايير النقد الفني والذائقة العامة السائدة.

مستقبل شعر القلطة والمسؤولية الثقافية

لا يقتصر تأثير هذا الحوار على الجانب الذاتي للشاعر، بل يمتد ليمس قضية ثقافية ذات أبعاد إقليمية ومحلية هامة، وهي الحفاظ على فن “القلطة” (المحاورة الشعرية) كأحد الفنون التراثية العريقة في الجزيرة العربية. يحذر السهلي من انجراف هذا الفن الجميل في بعض الأحيان نحو التنافر القبلي أو الحماس الزائد الذي يفسد قيمته الأدبية. ومن هنا، تبرز أهمية وجود وعي جمعي وميثاق ذوقي يحمي هذا الموروث الشعبي من الابتذال، ليبقى فناً محترماً ومؤثراً يتناقله الأجيال. إن تجربة السهلي تعيد التأكيد على أن الشعر الحقيقي هو الذي يكتب بصدق ويحترم عقل المتلقي، ليبقى منه بيت يلامس قلوب الناس حتى بعد رحيل صاحبه.

spot_imgspot_img