كشف رصد حديث عن قفزة تاريخية جديدة يسجلها الاستثمار الأجنبي في تاسي (سوق الأسهم السعودية)، حيث اقتربت القيمة السوقية للأسهم المملوكة للمستثمرين الأجانب من حاجز النصف تريليون ريال سعودي، لتصل إلى 452.39 مليار ريال. ولم يعد يفصل الاستثمارات الأجنبية عن هذا الرقم التاريخي سوى 47.61 مليار ريال فقط، وهو ما يعكس الثقة المتزايدة للمؤسسات المالية العالمية في الاقتصاد السعودي والفرص الواعدة التي تتيحها رؤية المملكة 2030، إذ يتملك الأجانب حالياً في شركات وصناديق مؤشر سوق الأسهم الرئيسي كافة، والبالغ عددها 269 شركة.
مسيرة تمكين الاستثمار الأجنبي في تاسي وتطوير السوق المالية
تاريخياً، شهدت السوق المالية السعودية (تاسي) تحولات جذرية بدأت بالسماح الفعلي للمستثمرين الأجانب المؤهلين بالاستثمار المباشر في عام 2015. تلا ذلك سلسلة من الإصلاحات التنظيمية والهيكلية التي قادتها هيئة السوق المالية ومجموعة تداول السعودية، مما أسفر عن انضمام “تاسي” إلى مؤشرات الأسواق الناشئة العالمية مثل “إم إس سي آي” (MSCI) و”فوتسي راسل” (FTSE Russell). هذه الخطوات التاريخية لم تكن مجرد إجراءات تنظيمية، بل كانت بمثابة بوابة تدفقت من خلالها السيولة العالمية، مما مهد الطريق لنمو الاستثمار الأجنبي في تاسي ليصل إلى مستوياته القياسية الحالية.
توزيع الحصص الاستراتيجية للمستثمرين الأجانب في الشركات السعودية
تتوزع ملكية الأجانب في السوق عبر مستويات متعددة، حيث يمتلك المستثمرون الأجانب حصصاً استراتيجية في 12 شركة مدرجة بنسب متفاوتة. وتتصدر هذه القائمة شركة “بوبا العربية” بنسبة تملك تبلغ 43.25%، تليها شركة “البنك العربي الوطني” بنسبة 40%، وشركة “سي جي إس” بنسبة 35%، و”الحفر العربية” بنسبة 34.3%. كما تشمل الملكيات الاستراتيجية البنك الأول بنسبة 31%، وشركة “تشب” بنسبة 30%، وأنابيب الشرق بنسبة 22%، وأنابيب السعودية بنسبة 16.37%، وبترو رابغ بنسبة 15%، وأماك بنسبة 14.5%، والتأمين العربية بنسبة 9.19%، وولاء للتأمين بنسبة 3.57%.
وعلى صعيد القيمة السوقية المطلقة، تتجاوز ملكية الأجانب حاجز الـ 10 مليارات ريال في 12 شركة قيادية. ويأتي “مصرف الراجحي” في الصدارة بقيمة سوقية تبلغ 62.18 مليار ريال، تليه عملاق النفط العالمي “أرامكو السعودية” في المرتبة الثانية بـ 48.33 مليار ريال، ثم “البنك الأهلي السعودي” ثالثاً بـ 45.45 مليار ريال، والبنك الأول رابعاً بـ 32.39 مليار ريال، وشركة “معادن” خامساً بـ 26.8 مليار ريال. وتكتمل القائمة بشركات وبنوك كبرى مثل البنك العربي الوطني (22.75 مليار ريال)، وإس تي سي (22.44 مليار ريال)، وبوبا العربية (15.63 مليار ريال)، وسابك (11.85 مليار ريال)، وموبايلي (11.23 مليار ريال)، وبنك الرياض (10.51 مليار ريال)، ومصرف الإنماء (10.31 مليار ريال).
الأثر الاقتصادي لتدفقات السيولة الأجنبية وحدود التملك التنظيمية
تمثل القيمة الإجمالية لملكيات الأجانب البالغة 452.39 مليار ريال ما نسبته 4.75% من إجمالي القيمة السوقية لكافة الشركات المدرجة في “تاسي”، والتي تبلغ نحو 9.56 تريليون ريال سعودي. وتخضع هذه الاستثمارات لضوابط تنظيمية مرنة توازن بين جذب رؤوس الأموال وحماية الاستقرار المالي؛ حيث يبلغ الحد الأقصى لتملك الأجانب في معظم الشركات 49%، باستثناء شركتي “بوبا” و”المتكاملة” اللتين تسمحان بنسبة تصل إلى 60%، في حين يتاح التملك بنسبة 100% في صناديق الريت العقارية المتداولة. أما شركة “البحري” فتبلغ نسبة تملك الأجانب الرسمية بها حالياً 0%، إلا أن الأجانب يتملكون بها بنسبة ضئيلة جداً حدثت سابقاً قبل إفصاح الشركة عن قيود ملكية المستثمرين الأجانب الواردة في نظامها الأساسي.
إن تنامي الاستثمار الأجنبي في تاسي يحمل تأثيراً إيجابياً عميقاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يساهم في تعزيز الحوكمة والشفافية داخل الشركات السعودية تماشياً مع المعايير العالمية، ويوفر قنوات تمويلية متنوعة تدعم التوسع التشغيلي. إقليمياً ودولياً، يرسخ مكانة الرياض كمركز مالي رئيسي في منطقة الشرق الأوسط، ويعزز من جاذبية الأسواق الناشئة كوجهة آمنة ومربحة للمحافظ الاستثمارية العالمية في ظل التقلبات الاقتصادية الدولية.


