spot_img

ذات صلة

تفاهمات واشنطن وطهران: مهلة الستين يوماً تحت مجهر نتنياهو

تتسارع التطورات السياسية في الشرق الأوسط مع دخول المنطقة مرحلة جديدة من حبس الأنفاس، حيث باتت تفاهمات واشنطن وطهران الأخيرة تحت مجهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتثبت الوقائع التاريخية والسياسية أن الدبلوماسية قد تنجح في تأجيل الصراعات الكبرى، لكنها نادراً ما تلغيها بالكامل. وفي هذا السياق، يأتي توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مذكرة التفاهم الأخيرة بمثابة وقت مستقطع فُصِّل بدقة على مقاس الحسابات البراغماتية والانتخابية للبيت الأبيض، لتبدأ مهلة الستين يوماً التي ستحدد مسار السلم والحرب في المنطقة.

جذور الصراع: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغوط القصوى

لإدراك أبعاد المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى أرشيف المنطقة وتحديداً قبل نحو عقد من الزمن، إبان توقيع الاتفاق النووي الأول عام 2015. في ذلك الوقت، غمر التفاؤل الأوساط الإيرانية، لكن سرعان ما انهار هذا التفاؤل مع تغير الإدارة الأمريكية وتبدل حسابات المصالح في واشنطن. واليوم، يتكرر المشهد ذاته؛ حيث تبني طهران روايتها الداخلية على فكرة “الصمود” الذي أثمر بنوداً تفاوضية واعدة، تشمل تسييل مبيعات النفط والإفراج المفترض عن 24 مليار دولار من أموالها المحتجزة، إلى جانب وعود بتأسيس صندوق إعمار ضخم. وتسعى طهران لتوظيف هذه الانفراجة المالية لتأمين جبهتها الداخلية وترحيل الملفات الشائكة، مثل تفكيك الصواريخ والمفاعلات الحساسة، إلى لجان فنية معقدة.

تفاهمات واشنطن وطهران بعيون براغماتية أمريكية

في واشنطن، يتحرك البيت الأبيض بعقلية تجارية بحتة لا مكان فيها للعواطف. وتقوم استراتيجية نائب الرئيس جي دي فانس وفريقه، الذي يضم جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، على حسابات الربح والخسارة المباشرة. وترى الإدارة الأمريكية في هذه الاتفاقية أداة عملية لضبط السلوك الإيراني عبر حوافز اقتصادية مشروطة بآليات تحقق صارمة. وتهدف واشنطن من خلال تفاهمات واشنطن وطهران إلى تأمين ممرات الطاقة العالمية، وفتح المضائق البحرية، وخفض أسعار النفط لتجنب الركود الاقتصادي العالمي. ولا تقدم واشنطن هدايا مجانية، بل تربط أي انتعاش مالي مستقبلي بخطوات ملموسة على الأرض، مثل عودة المفتشين الدوليين وتجميد تخصيب اليورانيوم.

حقل الألغام الإسرائيلي وحسابات الردع الإقليمي

على الصعيد الإقليمي والدولي، يصطدم هذا المسار الدبلوماسي بحقائق ميدانية بالغة التعقيد يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتقف تل أبيب بالمرصاد لأي تسوية قد تمنح طهران أو أذرعها، وخاصة حزب الله في لبنان، فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة التموضع. وقد أعلن نتنياهو صراحة أنه لن يسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي، مؤكداً أن أي هامش حركة يُمنح لأعداء إسرائيل يمثل خطاً أحمر. وتتجلى هذه النبرة الحادة في تأكيد نتنياهو أنه لم يطلب إذناً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتنفيذ الهجوم الأخير على إيران، بل اكتفى بإبلاغه، مما يعكس رغبة إسرائيلية واضحة في فرض وقائع ميدانية قسرية تتجاوز الحسابات الأمريكية الباردة.

مهلة الستين يوماً: سيناريوهات الخريف الساخن

إن القيمة الحقيقية لهذه المهلة المؤقتة تكمن في منح العواصم فرصة للتراجع عن حافة المواجهة الشاملة غير محسوبة التكاليف. ومع ذلك، فإن الألغام الحقيقية لا تزال قائمة دون تفكيك. وستكون الأيام الستون القادمة هي المحك الفعلي؛ فإما أن تثبت واشنطن قدرتها على ترويض طهران عبر الشروط الصارمة والأرقام الموعودة، أو أن تفشل جولات التفصيل الفني في تقييد القدرات العسكرية الإيرانية. وفي حال الفشل، ستتحول مذكرات التفاهم إلى حبر على ورق، لتستيقظ المنطقة مع حلول فصل الخريف على وقع مواجهة مفتوحة وشاملة تعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بأكمله.

spot_imgspot_img