في ظل المتغيرات التقنية المتسارعة التي تشهدها الساحة المعرفية اليوم، يبرز تطور الذكاء الاصطناعي كأحد أهم الملفات التي تعيد تشكيل وعينا الإنساني وإنتاجنا الإبداعي. وفي هذا السياق، يطرح الأكاديمي والخبير الثقافي الدكتور علي المالكي رؤية نقدية عميقة حول تداخل التكنولوجيا مع الأدب والثقافة، مؤكداً أن هذه الثورة الرقمية تفرض تحديات غير مسبوقة تتطلب مراجعة شاملة لأدواتنا المعرفية وقدرتنا على التكيف مع العصر الرقمي الجديد.
الثقافة المعاصرة بين الهوية المحلية والعولمة الرقمية
يتناول الدكتور علي المالكي المشهد الثقافي من زاويتين متكاملتين؛ الأولى تنظر إلى الثقافة كمنتج إنساني عالمي يسعى للاستفادة من التكنولوجيا الحديثة دون أن يفقد روحه الإنسانية، بينما تركز الثانية على البعد المحلي وكيفية الحفاظ على الهوية والتراث الأصيل. ويرى المالكي أن التوازن الإيجابي بين هذين المسارين هو السبيل الوحيد لضمان حضور ثقافي وازن يعبر عن جيناتنا العربية في فضاء عالمي مفتوح، دون السقوط في فخ التبعية أو الذوبان الثقافي الكامل.
مقارنات ثقافية بين الشرق والغرب: تجربة اليونسكو وفرنسا
مستنداً إلى تجربته الغنية التي امتدت لأكثر من عشر سنوات في فرنسا ودراسته للدكتوراه وعمله في منظمة اليونسكو، يعقد المالكي مقارنة موضوعية بين التعاطي الغربي والعربي مع الفعل الثقافي. فبينما تتحول الثقافة في الغرب إلى ممارسة شعبية يومية يشارك فيها الجميع، لا تزال في بعض الأوساط العربية تُصنف كنشاط نخبوية يمارسه قلة من المهتمين. ومع ذلك، يشيد المالكي بالتحول الجذري والإيجابي الذي تشهده المملكة العربية السعودية في العقد الأخير، حيث أصبحت الثقافة قوة ناعمة تضاهي في أهميتها الأدوار الاقتصادية والسياسية، وتسهم بفعالية في تعزيز الحضور الدولي للمملكة.
أزمة النقد الأدبي وفوضى النشر في عصر الرقمنة
ينتقد المالكي غياب النقد الموضوعي على منصات التواصل الاجتماعي، محذراً من تحول الكتابة النقدية إلى مجاملات متبادلة أو تصفية حسابات شخصية تضلل القارئ وتفرغ العمل الإبداعي من قيمته. ويقترح لمواجهة “طوفان الفوضى” في عالم النشر تفعيل دور “المحرر الأدبي” كركيزة أساسية لضبط جودة المؤلفات وتنقيتها من الأخطاء الفنية واللغوية، وهو الدور الجوهري المعمول به في المشهد الأدبي الأوروبي والغائب تقريباً في الساحة العربية التي تركز غالباً على الكم لا الكيف.
كيف يهدد تطور الذكاء الاصطناعي المعايير الأخلاقية للأدب؟
تاريخياً، واجهت البشرية موجات متعددة من التطور التكنولوجي، بدءاً من اختراع المطبعة وصولاً إلى الإنترنت، وكان كل تحول يثير مخاوف كبرى حول أصالة المنتج البشري وقيمته الإبداعية. واليوم، مع الصعود الصاروخي للتقنيات التوليدية، يرى المالكي أن تطور الذكاء الاصطناعي يسير بسرعة فائقة تفوق قدرة المجتمعات والمؤسسات على صياغة أطر تنظيمية وأخلاقية متماسكة. إن سحب بعض الجوائز الأدبية والفنية مؤخراً بسبب الاستعانة بالذكاء الاصطناعي يعكس عمق الأزمة على المستويين الإقليمي والدولي؛ فالأمر لم يعد مجرد رفاهية تقنية، بل يمس جوهر الملكية الفكرية والأصالة الإبداعية.
هذا التسارع التكنولوجي المحموم لا يمنح المؤسسات الثقافية والجامعات الوقت الكافي لتكييف المعايير الأخلاقية والجمالية مع المستجدات، مما يهدد بتمييع الحدود بين الإبداع البشري الأصيل والإنتاج الآلي الخالي من الروح. ويؤكد المالكي في نهاية حديثه أن الحل يكمن في تقنين هذه الأدوات ووضع مواثيق شرف دولية تحمي حقوق المبدعين وتضمن بقاء اللمسة الإنسانية كمعيار أول للتقييم والتميز الأدبي.


