كشفت تقارير صحفية بريطانية صادرة عن صحيفة “ذا أوبزرفر” أن رئيس الوزراء البريطاني المستقيل، كير ستارمر، يخطط بجدية للترشح لمنصب الأمين العام المقبل للمنظمة الأطلسية، في خطوة تهدف إلى قيادة حلف الناتو بعد ابتعاده عن رئاسة الحكومة البريطانية. ووفقاً للتقرير، فإن ستارمر يرى في هذا المنصب الدولي الرفيع وجهته السياسية والدبلوماسية المقبلة، مما يضمن بقاءه لاعباً رئيسياً في الساحة الدولية ومساهماً في صياغة السياسات الأمنية العالمية.
طموح بريطاني متجدد في أروقة بروكسل
أشارت الصحيفة البريطانية إلى أن منصب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) من المتوقع أن يصبح شاغراً في عام 2028، مع انتهاء ولاية الهولندي مارك روته الذي تسلم مهامه في أكتوبر 2024. ويتطلب نجاح ستارمر في مسعاه للحصول على هذا المنصب دعماً قوياً ومباشراً من الحكومة البريطانية الحالية، بالإضافة إلى تحقيق توافق وإجماع كامل بين الدول الأعضاء في الحلف، وهو ما يخضع عادة لتوازنات سياسية دقيقة ومعقدة بين العواصم الغربية.
ويستند مؤيدو ستارمر في دعمهم لهذا الترشح إلى أدائه الدبلوماسي المتميز خلال القمم الدولية التي شارك فيها، ولا سيما قمة مجموعة السبع الأخيرة، حيث حظي بإشادة واسعة من قادة أوروبيين بارزين. كما تلعب علاقاته الوثيقة والتنسيق المستمر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي دوراً إيجابياً في تعزيز صورته كقائد حريص على الأمن الأوروبي والدفاع المشترك.
تاريخ من القيادة البريطانية لحلف شمال الأطلسي
تاريخياً، يمتلك حلف شمال الأطلسي، الذي تأسس عام 1949 في أعقاب الحرب العالمية الثانية لمواجهة التهديدات السوفيتية، إرثاً طويلاً من القيادة السياسية الأوروبية. ومن الجدير بالذكر أن المملكة المتحدة كانت دائماً في طليعة الدول المؤسسة والداعمة للحلف؛ إذ كان الدبلوماسي والسياسي البريطاني اللورد هاستينغز إسماي أول من تولى منصب الأمين العام للناتو في الفترة ما بين 1952 و1957.
ومنذ ذلك الحين، تعاقب على هذا المنصب الرفيع قادة سياسيون بارزون من دول أوروبية مختلفة مثل هولندا، الدنمارك، بلجيكا، إيطاليا، إسبانيا، والنرويج. وبينما يتولى الجانب الأوروبي القيادة السياسية للحلف متمثلة في منصب الأمين العام، جرى العرف أن يتولى قائد عسكري أمريكي منصب القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا، مما يعكس الشراكة الاستراتيجية العميقة بين ضفتي الأطلسي.
التحديات والفرص أمام ستارمر في قيادة حلف الناتو
تأتي رغبة ستارمر في قيادة حلف الناتو في وقت يواجه فيه الحلف تحديات جيوسياسية غير مسبوقة هي الأخطر منذ نهاية الحرب الباردة. وتعد الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة وتصاعد حدة التوترات الأمنية في شرق أوروبا من أبرز الملفات التي تفرض على الأمين العام المقبل التعامل معها بحنكة ودبلوماسية عالية.
على المستوى الدولي والإقليمي، فإن تولي شخصية بريطانية بوزن كير ستارمر قيادة الحلف سيعزز من دور بريطانيا العالمي في مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، ويؤكد التزام لندن الراسخ بالأمن الأوروبي المشترك. كما سيكون عليه التنسيق الوثيق مع الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لضمان استمرار الدعم المالي والعسكري للحلف وتحقيق التوازن في تقاسم الأعباء الدفاعية بين الأعضاء.
وكان كير ستارمر قد أعلن في 22 يونيو الماضي استقالته من زعامة حزب العمال ورئاسة الحكومة البريطانية، مبلّغاً الملك تشارلز الثالث بقراره، في وقت تشهد فيه الساحة السياسية والاقتصادية البريطانية تحولات متسارعة. ومع ذلك، يبدو أن طموح ستارمر يتجاوز الحدود المحلية ليتطلع إلى دور قيادي يسهم في رسم ملامح النظام الأمني العالمي الجديد.


