كشفت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في أحدث تقاريرها عن تصاعد خطير في معدلات انتهاكات الحوثي بحق القبائل اليمنية، حيث وثق الفريق الميداني للشبكة ارتكاب الميليشيا لـ 1937 انتهاكاً وجريمة استهدفت الزعماء القبليين، والشخصيات الاجتماعية، والوجاهات المحلية خلال السنوات العشر الماضية. وأوضح التقرير أن هذه الممارسات تأتي في سياق سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة منذ انقلابها على الدولة بهدف إخضاع القبيلة وتفكيك بنيتها التاريخية والاجتماعية الراسخة.
الجذور التاريخية والمكانة الاجتماعية للقبيلة اليمنية
لطالما شكلت القبيلة في اليمن صمام أمان وركيزة أساسية من ركائز الاستقرار الاجتماعي والسياسي على مر القرون. فالأعراف القبلية والقيم المتوارثة كانت بمثابة قوانين غير مكتوبة تنظم حياة المواطنين وتحمي السلم الأهلي في غياب سلطة الدولة المركزية أو ضعفها. ومع انقلاب الميليشيا الحوثية، سعى المشروع السلالي إلى إحلال الولاء الطائفي المطلق للجماعة بدلاً من هذه الأعراف والرموز القبلية، مستخدماً شتى وسائل الترهيب والترغيب لإلغاء استقلالية القرار القبلي وإخضاع المشايخ لسلطة مشرفيها الأمنيين.
تفاصيل مروعة حول انتهاكات الحوثي بحق القبائل في 13 محافظة
وفقاً للتقرير الصادر عن الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، توزعت الجرائم المرصودة على 13 محافظة يمنية خلال الفترة الممتدة من مطلع عام 2016 وحتى الربع الأول من عام 2026. وشملت هذه الانتهاكات القتل والتصفية الجسدية، والسحل، والتمثيل بالجثث، والاختطاف، والإخفاء القسري، وتفجير المنازل ونهبها، والاستيلاء على الممتلكات الخاصة، فضلاً عن التهجير القسري والاعتداءات الجسدية الممنهجة.
ووثق الفريق الميداني للشبكة 156 واقعة قتل استهدفت زعماء قبليين، من بينها 49 جريمة قتل بالرصاص المباشر أثناء مداهمة منازل الضحايا وأمام أفراد أسرهم من النساء والأطفال. كما رصد التقرير إحراق 16 جثة لزعماء قبليين بعد قتلهم، و29 جريمة سحل وتمثيل بالجثث، بالإضافة إلى تصفية واغتيال 32 زعيماً قبلياً آخرين.
جرائم وحشية وتصفيات طالت حتى الموالين
أشار التقرير إلى أن بعض الجرائم اتسمت بقدر بالغ من القسوة والوحشية؛ حيث تواصل الميليشيا احتجاز جثمان الزعيم القبلي “صادق أمين أبو شعر” حتى اليوم، رغم إطلاق سراح المتهم بقتله. كما وثقت الشبكة تصفية الزعيمين القبليين “محمد الصلاحي” و”مسعد محمد المعزبي” داخل أحد المقار الأمنية بمحافظة إب، واغتيال شخصيات بارزة مثل أحمد سالم السكني، وسلطان محمد الوروري، وأحمد الشعملي، وطفيان علي طفيان.
ولم تسلم حتى القيادات القبلية التي ساندت الجماعة في البداية من هذه التصفيات؛ إذ يبرز مشهد سحل والتمثيل بجثمان الزعيم القبلي “مجاهد قشيرة الغولي” في محافظة عمران عام 2019 كدليل واضح على النهج الغادر للميليشيا، وهو المصير ذاته الذي واجهه سلطان الوروري، ومحمد الشتوي، ووكيل محافظة إب عبد القادر سفيان.
تأثير الاستهداف الحوثي على السلم الأهلي ومستقبل اليمن
يمتد تأثير هذه الانتهاكات الممنهجة من المستوى المحلي إلى المستويين الإقليمي والدولي. محلياً، أدى استهداف الرموز القبلية إلى إحداث تصدعات عميقة في النسيج الاجتماعي اليمني وتقويض السلم الأهلي، حيث تسعى الجماعة إلى تحويل القبيلة إلى “خزان بشري” يغذي جبهات القتال بالشباب والأطفال عبر الابتزاز والضغط على المشايخ. وإقليمياً ودولياً، يهدد تفكيك البنية القبلية بزيادة رقعة الفوضى وغياب الاستقرار في منطقة جنوب شبه الجزيرة العربية، مما يعقد جهود السلام الدولية التي تقودها الأمم المتحدة.
وقد تجسد هذا الصدام في المقاومة العنيفة التي أبدتها قبائل “حجور” في محافظة حجة، وقبيلة “آل مسعود” في مديرية قيفة بمحافظة البيضاء، والتي واجهتها الميليشيا بحصار خانق وقصف بالطائرات المسيرة وعمليات عسكرية واسعة، مما يعكس السياسة الانتقامية ضد كل من يحاول الحفاظ على استقلالية قراره.
دعوات دولية لوقف الجرائم ومحاسبة المتورطين
في ختام تقريرها، دعت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان إلى اتخاذ مواقف حازمة وفرض عقوبات رادعة على القيادات الحوثية المتورطة في جرائم القتل والتصفية والإخفاء القسري. كما شددت على ضرورة الضغط للإفراج الفوري عن كافة المختطفين، وتسليم جثامين الضحايا لعائلاتهم، مطالبة اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات حقوق الإنسان بتوثيق هذه الانتهاكات بصورة مؤسسية لتوفير الحماية للقيادات المجتمعية والقبلية في اليمن.


