لم يكد يجف حبر اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، الذي تم توقيعه مؤخراً في العاصمة الأمريكية واشنطن برعاية مباشرة من الإدارة الأمريكية وهندسة وزير الخارجية ماركو روبيو، حتى تلاشت الأجواء الاحتفالية وحلت مكانها معركة شرسة حول آليات التنفيذ ومصير هذا التفاهم المعقد. يأتي هذا الاتفاق في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تسعى الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة ترتيب أوراق الشرق الأوسط وفصل الجبهات العسكرية، مما يضع الساحة اللبنانية أمام اختبار مصيري غير مسبوق قد يعيد رسم التوازنات السياسية والعسكرية في البلاد.
الجذور التاريخية وأبعاد اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل
تاريخياً، يعيد هذا المشهد إلى الأذهان ذكريات “اتفاق 17 أيار” عام 1983، والذي ولد ميتاً نتيجة الرفض الداخلي والإقليمي الواسع آنذاك. واليوم، يسعى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل إلى تجنب مصير الاتفاقات السابقة عبر فرض صيغة أمنية وسياسية جديدة تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. تهدف الخطة الأمريكية الحالية إلى سحب الملف اللبناني بالكامل من دائرة المقايضات الإقليمية مع طهران، وربط أي انسحاب إسرائيلي متدرج بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله وبسط سيادة الدولة اللبنانية عبر مناطق تجريبية يتسلمها الجيش اللبناني بدعم دولي مباشر.
جبهة الرفض الداخلي: بري يحذر من “إملاءات” جديدة
على الصعيد السياسي الداخلي، فجر هذا المنعطف جبهة رفض سياسية شرسة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي سارع إلى وصف الاتفاق بأنه “إملاءات أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 مايو 1983″، جازماً بأن هذا الاتفاق لن يمر ولن يجد طريقه إلى التنفيذ. وتكشف القراءة الاستراتيجية لحراك عين التينة أن بري يراهن على “استحالة التنفيذ” وتلغيم المسار من الداخل بدلاً من الذهاب إلى صدام مباشر في الشارع أو إسقاط حكومة رئيس الوزراء نواف سلام. ويدرك بري أن أي تعثر في ملف نزع السلاح كفيل بتجميد الانسحاب الإسرائيلي، ولذلك فرض خطاً أحمر حول قيادة الجيش برئاسة العماد رودولف هيكل مانعاً إقالته.
التداعيات الإقليمية ومأزق الحصار المالي لحزب الله
ميدانياً وإقليمياً، يضع الاتفاق حزب الله أمام مأزق مزدوج يتمثل في الحصار السياسي والمالي الصارم. وينص الاتفاق على حظر صارم يمنع وصول أموال إعادة الإعمار والمساعدات الدولية (التي تقدر بـ 100 مليون دولار كدعم إنساني و30 مليون دولار كدعم عسكري للجيش) إلى أي فصيل مسلح. ورغم إعلان الحزب الحرب على ما يصفه بـ “اتفاق الذل والعار”، إلا أن حساباته تتسم بحذر شديد لتجنب الفتنة والصدام الأهلي، مع الرهان على عجز السلطة اللبنانية عن نزع سلاحه بالقوة، والتركيز على أوراق ضغط إقليمية بديلة مثل التصعيد في مضيق هرمز.
الموقف الإسرائيلي والشكوك حول ضمانات التنفيذ
في المقابل، يثير الاتفاق انقساماً موازياً في تل أبيب؛ فبينما يحتفي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بانتزاع شرعية البقاء في “المنطقة الأمنية” حتى زوال التهديد، تعكس تحليلات الأوساط العسكرية العبرية، ولا سيما قراءة الخبير الأمني رونين بيرغمان، توجساً حقيقياً. وتتركز هذه المخاوف حول خلو الاتفاق من جداول زمنية واضحة أو آليات حاسمة لوقف إطلاق النار، وسط تشكيك عميق في قدرة الدولة اللبنانية، ممثلة بالرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، على فرض بنود الاتفاق على الأرض، مما قد يحول الوثيقة إلى مجرد حبر على ورق ما لم تتبعها خيارات الحسم العسكري.


