في حادثة صادمة تعكس مدى الانهيار الأمني والاجتماعي، أقدمت امرأة على قتل طليقها طعناً بالسكين أمام المارة والمتسوقين في أحد الأسواق الشعبية شرق العاصمة اليمنية. وتأتي هذه الجريمة في وقت تشهد فيه البلاد تصاعداً مخيفاً في حدة الخلافات الأسرية في صنعاء نتيجة الأوضاع المعيشية المتردية والضغوط النفسية الهائلة التي يفرضها الواقع الراهن تحت سيطرة المليشيا.
وأفاد شهود عيان وسكان محليون بأن الضحية، الذي ينتمي إلى محافظة ريمة وكان قد تزوج مجدداً بعد انفصاله عن زوجته الأولى، كان يتسوق في “سوق الحتارش” قبل أن تباغته طليقته وتوجه له عدة طعنات قاتلة بسكين كانت بحوزتها. ورغم محاولات إسعافه ونقله إلى المستشفى، إلا أنه فارق الحياة متأثراً بجراحه البالغة. وقد تمكن المتسوقون والمواطنون المتواجدون في المكان من إلقاء القبض على الجانية والتحفظ عليها لتسليمها للجهات المعنية، وسط ذهول وصدمة خيمت على مرتادي السوق.
جذور الأزمة المجتمعية وتفاقم الخلافات الأسرية في صنعاء
لا يمكن قراءة هذه الجريمة المروعة بمعزل عن السياق العام والخلفية التاريخية للأزمة اليمنية المستمرة منذ سنوات. فمنذ سيطرة مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء والمحافظات المجاورة، تعرضت البنية الاجتماعية والقبلية لليمن لاهتزازات عنيفة. وقد أدت السياسات الممنهجة المتمثلة في قطع مرتبات الموظفين الحكوميين، وتجفيف منابع الدخل، وفرض الجبايات المستمرة، إلى إفقار ملايين الأسر وتحويل حياتهم اليومية إلى صراع مستمر من أجل البقاء.
هذا التدهور الاقتصادي الحاد ترافق مع غياب تام لسلطة القانون الحقيقية وأجهزة القضاء المستقلة، مما أفرز بيئة خصبة لانتشار الجريمة بمختلف أشكالها. وبدلاً من توفير الحلول، ساهمت التعبئة الفكرية والدورات الطائفية التي تقيمها المليشيا في تغذية ثقافة العنف والتمرد داخل الأسرة الواحدة، مما أضعف الروابط الأسرية التقليدية التي كانت تشكل صمام أمان للمجتمع اليمني.
أرقام صادمة تعكس عمق التفكك الأسري في اليمن
تشير الإحصاءات القضائية الأخيرة المسربة من المحاكم في صنعاء إلى أرقام مرعبة تعكس حجم الكارثة الاجتماعية. فقد كشفت مصادر قضائية عن تسجيل قرابة 400 حالة طلاق رسمية خلال الفترة الممتدة من أواخر نوفمبر 2025 وحتى منتصف مايو 2026 فقط. وفي الوقت ذاته، تنظر المحاكم حالياً في نحو 200 قضية خلع رفعتها زوجات ضد أزواجهن.
المثير للقلق أن هذه الحالات تتركز بشكل أساسي في صفوف فئة الشباب والشابات الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 عاماً، وغالبيتهم لم يستمر زواجهم لأكثر من ثماني سنوات. ويرجع الخبراء الاجتماعيون هذا الارتفاع القياسي إلى تفاقم الأزمات المعيشية، وانعدام الاستقرار النفسي، فضلاً عن انتشار المواد المخدرة والممنوعات التي تُغرق بها المليشيا مناطق سيطرتها، مما يدمر عقول الشباب ويدفعهم نحو ارتكاب سلوكيات عنيفة تصل إلى حد القتل.
تداعيات انهيار السلم الأهلي على المستوى الإقليمي والدولي
إن استمرار انهيار السلم الأهلي وتفشي الجريمة والتفكك الأسري في مناطق سيطرة الحوثيين لا تقتصر آثاره على الداخل اليمني فحسب، بل تمتد تداعياته لتشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي. فالمجتمعات التي تعاني من تفكك قيمي واقتصادي تصبح بيئة جاذبة للتطرف وتجنيد الأطفال والشباب في صفوف الجماعات المسلحة، مما يهدد استقرار دول الجوار والملاحة الدولية في البحر الأحمر.
ويطالب مراقبون وحقوقيون بضرورة تدخل المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية للضغط من أجل وقف السياسات التجويعية وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمواطنين المحاصرين في هذه المناطق، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي سيقود إلى كوارث مجتمعية أشد فتكاً في المستقبل القريب.


