أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إطلاق حملة دبلوماسية واقتصادية واسعة النطاق تهدف إلى مواجهة وعزل المحكمة الجنائية الدولية، واصفةً إياها بأنها تمثل “تهديداً مباشراً للسيادة الوطنية الأمريكية”. وتأتي هذه الخطوة في ظل سعي واشنطن الحثيث لمنع المؤسسة القضائية الدولية من ملاحقة أو محاكمة أي من المواطنين أو المسؤولين أو العسكريين الأمريكيين وحلفائهم، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصدام المباشر بين الولايات المتحدة والقضاء الدولي.
خلفية الصراع التاريخي بين واشنطن و المحكمة الجنائية الدولية
تأسست المحكمة الجنائية الدولية في عام 2002 بموجب ميثاق روما الأساسي، بهدف ملاحقة مرتكبي أفظع الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية، وذلك عندما تعجز الأنظمة القضائية الوطنية عن القيام بذلك أو ترفض التحقيق. ورغم أن الولايات المتحدة لم تنضم رسمياً إلى نظام روما الأساسي ولم تصادق عليه، إلا أن ميثاق المحكمة يمنحها ولاية قضائية للنظر في الجرائم المرتكبة على أراضي الدول الأعضاء، حتى وإن كان المتهمون ينتمون لدول غير موقعة.
هذا التداخل القانوني لطالما أثار حفيظة الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وتحديداً إدارة ترامب التي ترى في هذا الاختصاص تعدياً سافراً على سيادتها الوطنية. وقد تجلى هذا الصراع بوضوح في مارس 2020 عندما فتحت المحكمة تحقيقاً في جرائم حرب محتملة في أفغانستان شملت سلوك القوات الأمريكية، وهو ما دفع واشنطن حينها لفرض عقوبات على قضاة المحكمة ومسؤوليها، قبل أن يعاد ترتيب الأولويات لاحقاً للتركيز على أطراف أخرى.
أدوات الضغط الأمريكي لعزل لاهاي دبلوماسياً واقتصادياً
في رسالة مصورة حديثة، أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن المحكمة الجنائية الدولية انحرفت عن مسارها التأسيسي وتحولت إلى مؤسسة “أكثر تطرفاً واتساعاً في صلاحياتها”. وأشار روبيو إلى أن إدارة ترامب لن تسمح بأي شكل من الأشكال بتهديد العسكريين أو المدعين العامين الأمريكيين الذين يتولون قضايا حساسة مثل مكافحة الإرهاب أو حراسة الحدود، معتبراً أن المحكمة تشن ما يشبه الحرب القانونية ضد بلاده.
وبحسب مصادر مسؤولة في وزارة الخارجية الأمريكية، فإن الإدارة تدرس حالياً حزمة عقوبات صارمة تشمل فرض قيود مشددة على السفر، وإلغاء تأشيرات الدخول لمسؤولي المحكمة وعائلاتهم، وتجميد الأصول المالية. بالإضافة إلى ذلك، تمارس واشنطن ضغوطاً دبلوماسية هائلة على الدول الأعضاء في المحكمة، خاصة تلك التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية أو تعتمد على المظلة الأمنية والمساعدات الأمريكية، لحثها على الانسحاب من المحكمة أو رفض التعاون معها في القضايا التي تخص الولايات المتحدة ومواطنيها.
التأثيرات الإقليمية والدولية للتصعيد الأمريكي ضد القضاء الدولي
يأتي هذا التصعيد الأمريكي المتجدد بالتزامن مع إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يعد أحد أبرز حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط. هذا التطور يضفي بعداً إقليمياً ودولياً بالغ الأهمية على التحرك الأمريكي؛ حيث تسعى واشنطن ليس فقط لحماية مواطنيها، بل لتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي شامل لحلفائها المقربين في مواجهة الملاحقات الدولية.
من المتوقع أن تؤدي هذه الحملة إلى إحداث شرخ عميق في العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الذين يدافعون بقوة عن استقلالية المحكمة الجنائية الدولية باعتبارها ركيزة أساسية للنظام الدولي القائم على القواعد. وسيكون على العديد من الدول الاختيار بين الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية والأمنية مع واشنطن، أو الالتزام بتعهداتها القانونية والأخلاقية تجاه ميثاق روما، مما يضع مصداقية العدالة الدولية برمتها على المحك.
وفي المقابل، امتنعت المتحدثة باسم المحكمة الجنائية الدولية، أوريان مابيه، عن التعليق الفوري على التهديدات الأمريكية الأخيرة، في وقت يترقب فيه المجتمع الدولي مدى قدرة المحكمة على الصمود أمام هذه الضغوط غير المسبوقة من القوة العظمى الأولى في العالم.


