شهدت حركة الملاحة في مضيق هرمز تراجعاً حاداً وغير مسبوق لتصل إلى أدنى مستوياتها خلال شهر، وذلك في أعقاب تجدد الهجمات الإيرانية على السفن التجارية والناقلات العابرة، والرد العسكري الأمريكي بشن غارات جوية مكثفة على أهداف تابعة لطهران. هذا التصعيد المتبادل أثار مخاوف دولية واسعة النطاق بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية وسلامة الممرات المائية الحيوية، مما دفع العديد من شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها البحرية في المنطقة.
أرقام صادمة تكشف شلل الملاحة في مضيق هرمز
وفقاً لبيانات شركة “كيبلر” المتخصصة في تتبع حركة الملاحة البحرية، والتي نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز”، لم يعبر الممر المائي الاستراتيجي سوى 14 سفينة فقط يوم الأحد، وهو ما يمثل أدنى مستوى تسجله حركة المرور في المضيق منذ أكثر من شهر. وبالمقارنة مع الفترة التي سبقت اندلاع التصعيد الأخير في أواخر فبراير الماضي، كان متوسط عدد السفن التي تعبر المضيق يومياً يتجاوز 130 سفينة، مما يوضح حجم الشلل الشبه التام الذي أصاب هذا الشريان الحيوي.
ومن بين السفن القليلة التي عبرت، غادرت ثلاث ناقلات فقط الخليج العربي وهي محملة بالنفط الخام أو المواد الكيميائية والسلع الأخرى، وتبين أن جميعها كانت سفناً غير مرخصة أو خاضعة للعقوبات الدولية. ومع تزايد خطر الألغام البحرية وإغلاق الممر الملاحي الرئيسي، باتت السفن التجارية مضطرة للاختيار بين الإبحار عبر الممر العماني الجنوبي، الذي تؤمنه البحرية الأمريكية، أو اتخاذ ممر شمالي يمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، مما يزيد من مخاطر احتجازها أو استهدافها.
السياق التاريخي والأهمية الجيوسياسية للممر المائي
يعتبر مضيق هرمز البوابة البحرية الوحيدة للخليج العربي، وهو أحد أهم الممرات المائية في العالم وأكثرها حساسية من الناحية الجيوسياسية. تاريخياً، يمر عبر هذا المضيق نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً، مما يجعله شرياناً رئيسياً يربط منتجي النفط في الشرق الأوسط بالأسواق الاستهلاكية الكبرى في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
ولم يكن هذا التصعيد وليد اللحظة؛ بل يعيد إلى الأذهان حقبة “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما استُهدفت السفن التجارية لتعطيل صادرات النفط. وتستمر إيران في استخدام موقعها الجغرافي كورقة ضغط سياسية وعسكرية في مواجهة العقوبات الدولية، مستغلة قدرتها على استهداف السفن بالطائرات المسيرة والصواريخ في جميع أنحاء المضيق والمياه المحيطة به، وهو ما تؤكده الأحداث الأخيرة التي تظهر استعداد طهران الفعلي لاستخدام هذه القدرات لفرض شروطها.
التأثيرات الاقتصادية والاتفاقيات الدولية تحت المجهر
أثار هذا التراجع الحاد في حركة الملاحة قلقاً كبيراً لدى الأوساط الاقتصادية الدولية. وفي هذا السياق، صرح جاكوب لارسن، كبير مسؤولي السلامة والأمن في الاتحاد الدولي للشحن البحري (BIMCO)، بأن “مذكرة التفاهم” الموقعة في 17 يونيو بين الولايات المتحدة وإيران تثير إشكاليات قانونية وتنظيمية عميقة؛ كونها تقلل من أهمية الاتفاقيات الدولية المنظمة للملاحة البحرية، والتي تكفل حرية مرور السفن عبر الممرات المائية الدولية.
وأضاف لارسن أن هذا الاتفاق المؤقت لم يعالج الخلافات الجوهرية بين البلدين، مؤكداً أن حركة السفن عبر المضيق ستظل منخفضة على الأرجح طالما بقي التهديد الإيراني قائماً ومستمراً، مما يرفع تكاليف التأمين البحري ويؤثر سلباً على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة الإقليمية والدولية.
قرار حاسم من الرئيس دونالد ترامب وفرض الحصار الأمريكي
على الصعيد السياسي والعسكري، اتخذت واشنطن خطوات حاسمة للرد على التهديدات الإيرانية؛ حيث أرسل الرئيس دونالد ترامب إخطاراً رسمياً إلى الكونغرس يفيد باستئناف الأعمال القتالية ضد إيران. وتتيح هذه الرسالة للإدارة الأمريكية نافذة زمنية مدتها 60 يوماً لاستخدام القوة العسكرية في المنطقة دون الحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس.
وفي خطوة تصعيدية موازية، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أن قواتها ستبدأ بفرض حصار بحري شامل على حركة الملاحة المتجهة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، وذلك اعتباراً من الساعة الرابعة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة. وأوضح البيان الأمريكي أن الجيش سيواصل دعم وحماية حركة الملاحة عبر المياه الإقليمية لجميع السفن التي لا تنتهك شروط الحصار.
ويأتي استئناف هذا الحصار بعد أن تم تطبيقه بنجاح في مرحلة أولى خلال الفترة من 13 أبريل إلى 18 يونيو الماضي، حيث تمكنت القوات الأمريكية من تحويل مسار أكثر من 140 سفينة التزمت بالتعليمات، وتعطيل 9 سفن مخالفة، مع السماح بمرور أكثر من 50 سفينة تجارية تحمل مساعدات إنسانية حيوية.


