يدخل التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران مرحلة بالغة الخطورة عقب انهيار تفاهمات وقف إطلاق النار، وسط تحذيرات دولية متزايدة من انزلاق الطرفين إلى مواجهة شاملة يصعب السيطرة عليها. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن استمرار هذه الضربات المتبادلة يضع المنطقة على فوهة بركان، في وقت يواجه فيه كلا الطرفين كلفة اقتصادية وسياسية باهظة تجعل من خيار الحرب الطويلة مغامرة غير محسوبة العواقب.
جذور الصراع والمسار التاريخي للتوتر بين واشنطن وطهران
لم يكن هذا الصدام وليد اللحظة، بل يمثل امتداداً لعقود من التوترات الجيوسياسية التي بدأت منذ الثورة الإيرانية عام 1979، ومروراً بملف طهران النووي، وصولاً إلى استراتيجية الضغط الأقصى. وتأتي التطورات الراهنة لتعيد رسم خريطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط، حيث تسعى الولايات المتحدة تاريخياً إلى كبح النفوذ الإيراني الإقليمي وحماية ممرات الملاحة الدولية، بينما تعتمد طهران على استراتيجية الردع عبر شبكة حلفائها الإقليميين لفرض توازن قوى جديد في المنطقة.
اتساع رقعة الاستهداف وضرب الشرايين الحيوية بالخليج
خلال الأيام الأخيرة، شهدت المواجهة تحولاً نوعياً لافتاً؛ إذ لم تعد الضربات مقتصرة على المواقع العسكرية التقليدية، بل امتدت لتطال البنية التحتية المدنية الحيوية. وتعرضت منشآت تحلية المياه وإمدادات الطاقة لأضرار بالغة، مما يهدد استقرار الخدمات الأساسية في بعض دول الخليج العربي. ويتزامن هذا التصعيد مع اضطرابات حادة في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، بالتوازي مع فرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً مشدداً على الموانئ الإيرانية.
وفي سياق متصل، شنت القوات الأمريكية غارات جوية مكثفة استهدفت طرقاً رئيسية وبنى تحتية في جنوب إيران، مما أسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين وأثار تكهنات واسعة حول إمكانية تمهيد هذه الضربات لعملية برية محتملة. وفي المقابل، جاء الرد الإيراني موجعاً باستهداف موقع عسكري يتواجد فيه جنود أمريكيون في الأردن، مما أسفر عن مقتل جنديين وإصابة العشرات، وهو ما يرفع الكلفة البشرية ويضع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت ضغوط سياسية وشعبية هائلة لاتخاذ قرارات حاسمة.
تداعيات التصعيد العسكري بين أمريكا وإيران على الاقتصاد العالمي والإقليمي
تتجاوز آثار هذا الصراع الحدود الجغرافية للبلدين لتلقي بظلالها على الساحة الدولية والإقليمية. فعلى الصعيد الاقتصادي، لا يزال السوق العالمي يعاني من تبعات الهجمات الأمريكية الإسرائيلية السابقة على إيران، وأي تهديد إضافي لتدفق النفط عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى قفزة جنونية في أسعار الطاقة العالمية. كما أن استمرار الحرب قد ينعكس سلباً على حلفاء الرئيس دونالد ترامب في الاستحقاقات الانتخابية القادمة مثل انتخابات التجديد النصفي.
أما على الجانب الإيراني، فإن الأوضاع الاقتصادية المتردية أصلاً بفعل العقوبات والحصار البحري تضع القيادة في طهران أمام مأزق داخلي حقيقي. وقد بدأت أصوات معارضة للحرب تتعالى في الداخل الإيراني، حيث وقعت 268 شخصية عامة عريضة تحت شعار “لا للحرب”، مما يعكس حجم القلق الشعبي من التداعيات المعيشية الكارثية لاستمرار القتال.
بين الاستنزاف والمسار الدبلوماسي: سيناريوهات المرحلة القادمة
ترى الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إيلي جيرانمايه، أن الطرفين يقفان الآن أمام “لحظة حاسمة”؛ فإما التراجع والعودة إلى طاولة المفاوضات الدبلوماسية، أو الانزلاق نحو حرب إقليمية مدمرة تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء. من جانبه، يصف الباحث حميد رضا عزيزي الوضع الحالي بأنه “حرب استنزاف وسباق مع الزمن”، متسائلاً عن مدى قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود مقارنة بحجم الاضطراب الذي سيصيب أسواق الطاقة العالمية نتيجة إغلاق الممرات المائية.
وفيما يتعلق بالخيارات العسكرية المتاحة، يرجح الباحث فرزان ثابت أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تهدف في الأسابيع المقبلة إلى تقويض القدرات العسكرية لإيران والحد من نفوذها في مضيق هرمز، مستبعداً في الوقت ذاته خيار الغزو البري الشامل نظراً للمخاطر البشرية واللوجستية الهائلة التي ينطوي عليها. ويبقى الترقب سيد الموقف، حيث إن أي خطأ غير محسوب في الحسابات الميدانية قد يشعل فتيل مواجهة كبرى تغير وجه المنطقة بأكملها.


