حقق قطاع الثقافة والتراث في المملكة العربية السعودية، ضمن برنامج جودة الحياة (أحد برامج رؤية السعودية 2030)، نتائج نوعية غير مسبوقة خلال عام 2025. وتمثلت هذه النجاحات في تجاوز عدد كبير من المؤشرات الرئيسية لمستهدفاتها المعتمدة، إلى جانب إطلاق مبادرات استراتيجية كبرى ساهمت في تعزيز مكانة المملكة الثقافية على الخارطتين المحلية والدولية، ودعم روافد الاقتصاد الوطني تماشياً مع خطط التنوع الاقتصادي.
رؤية 2030 وإعادة صياغة قطاع الثقافة والتراث
تأتي هذه الإنجازات الاستثنائية تتويجاً لمسيرة بدأت مع إطلاق رؤية السعودية 2030 في عام 2016، والتي وضعت الهوية الوطنية والثقافة في مقدمة أولوياتها كعنصر أساسي لتحسين جودة الحياة. وتاريخياً، شهدت المملكة تحولاً جذرياً منذ تأسيس وزارة الثقافة المستقلة في عام 2018، حيث تم وضع استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى رعاية المواهب، وحفظ التراث، وتحويل الأنشطة الثقافية إلى قطاع حيوي ومستدام يساهم بفاعلية في الناتج المحلي الإجمالي بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على النفط.
مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي
وتحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تم تدشين مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي في المدينة المنورة. وجرى التدشين بحضور أمير منطقة المدينة المنورة الأمير سلمان بن سلطان، ووزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان.
ويؤسس هذا المركز منصة عالمية رائدة للارتقاء بفنون الخط العربي، الذي يُعد ركيزة أساسية في الهوية البصرية والثقافية العربية والإسلامية. ويقدم المركز برامج متكاملة تشمل متحفاً دائماً، ومعارض متنقلة، ومنحاً بحثية، وحاضنة أعمال لدعم المشاريع الإبداعية، بالإضافة إلى برنامج الإقامة الفنية. ويستهدف المركز رعاية الخطاطين، والمواهب الناشئة، والباحثين، والمؤسسات الثقافية محلياً وإقليمياً ودولياً.
متحف البحر الأحمر: نافذة تاريخية من قلب جدة
وفي إطار الحفاظ على التراث العمراني والتاريخي، افتُتح متحف البحر الأحمر في قلب منطقة “جدة التاريخية” (البلد)، وهي أحد المواقع المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو. ويقع المتحف داخل مبنى “باب البنط” التاريخي، الذي تمت إعادة ترميمه وتأهيله وفقاً لأعلى معايير الاستدامة البيئية والحفاظ الأثري.
ويضم المتحف ما يزيد على ألف قطعة أثرية وفنية نادرة تُعرض عبر 23 قاعة مقسمة على سبعة محاور رئيسية. وتشمل المعروضات الخزف الصيني المستورد تاريخياً، ومباخر العود، والمرجان، وأدوات الملاحة البحرية، والخرائط والمخطوطات النادرة التي تروي تاريخ الملاحة والتجارة في البحر الأحمر، إلى جانب أعمال فنية معاصرة صممت بأيدي فنانين سعوديين وعالميين.
قفزة تاريخية في مؤشرات قطاع الثقافة والتراث بالأرقام
على صعيد الأرقام والمؤشرات القياسية لعام 2025، شهد النشاط الثقافي في المملكة زخماً غير مسبوق؛ حيث بلغ عدد أيام الفعاليات الثقافية 6,314 يوماً، متجاوزاً المستهدف المحدد بـ 3,010 أيام بفارق شاسع، ومقارنة بخط أساس لم يتجاوز 188 يوماً في عام 2019. كما ارتفع عدد المنشآت الثقافية (التي تشمل المتاحف، والمسارح، ودور الأوبرا، والمكتبات العامة) إلى 94 منشأة، متخطياً المستهدف البالغ 87 منشأة.
وفي جانب التعليم والتأهيل والتوظيف، حقق القطاع قفزة نوعية بوصول عدد الموظفين إلى 282,709 موظفين، متجاوزاً المستهدف البالغ 247 ألفاً. وبلغ عدد المستفيدين من التدريب المهني 4,729 مستفيداً، بينما تخرج 29,221 طالباً وطالبة من مؤسسات التعليم العالي والتدريب التقني في التخصصات الثقافية المختلفة، متجاوزين المستهدف البالغ 29,078 خريجاً.
الأثر المحلي والدولي للتحول الثقافي السعودي
يمتد تأثير هذه الإنجازات إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة. محلياً، يساهم نمو القطاع في خلق فرص عمل واعدة للشباب السعودي وتنشيط السياحة الثقافية الداخلية. وعلى الصعيد الدولي، يعزز هذا الحراك القوة الناعمة للمملكة؛ حيث ارتفع عدد المشاركات السعودية في المحافل الثقافية الدولية إلى 71 مشاركة في عام 2025، متجاوزاً المستهدف البالغ 34 مشاركة بأكثر من الضعف. كما قفز عدد زوار مواقع التراث الوطني ومواقع اليونسكو إلى 14.10 مليون زائر، متخطياً المستهدف البالغ 7.19 ملايين زائر، مما يؤكد جاذبية المملكة كوجهة ثقافية عالمية صاعدة.


