وسط حراك دبلوماسي مكثف في منطقة الخليج العربي، كشفت وسائل إعلام أمريكية عن توصيات صادرة من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تدعو إلى وقف قصف إيران، ما لم يتم اتخاذ قرار حاسم بالانتقال إلى عمليات عسكرية كبرى وشاملة. يأتي هذا التطور بالتزامن مع أنباء متواترة حول مقترح قدمته سلطنة عُمان لإنشاء تحالف إقليمي يتولى تقديم الخدمات في مضيق هرمز الاستراتيجي، على غرار الآلية المتبعة في مضيق ملقا، والتي تعتمد على الدفع الطوعي مقابل الخدمات الأمنية والملاحية المقدمة للسفن العابرة.
ونقل موقع “أكسيوس” الإخباري عن مصدرين مطلعين أن قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال براد كوبر، أوصى بإنهاء حملة الضربات الجوية الحالية في منطقة مضيق هرمز. وأوضح كوبر في تقييمه أن هذه الحملة، التي استمرت على مدار أسبوعين، قد بلغت الحد الأقصى من فعاليتها العسكرية الممكنة. وأشار إلى أن أي خطوة تصعيدية قادمة يجب أن تترجم إلى استئناف لعمليات قتالية واسعة النطاق لاستكمال استهداف نحو 20% من الأهداف الإيرانية المتبقية التي حددها الجيش مسبقاً ولم تشملها الضربات الماضية. وبناءً على ذلك، يرى القادة العسكريون أنه في غياب قرار بالدخول في مواجهة كبرى، فإن مواصلة القصف المحدود لن تحقق أي جدوى إضافية ملموسة.
وفي هذا السياق، ذكرت المصادر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يميل في البداية إلى خيار استئناف العمليات العسكرية واسعة النطاق ضد طهران. إلا أن طريقة تفكيره بدأت تشهد تحولاً تدريجياً مساء الخميس، ليستقر قراره النهائي يوم الجمعة الماضي على تعليق الهجمات. وقد لعبت توصية قائد “سنتكوم” إلى جانب نصائح مستشارين بارزين آخرين دوراً محورياً في إقناع الرئيس ترامب بجدوى التوقف المؤقت وإعطاء فرصة للمسار الدبلوماسي، مؤكدين أن الضربات التي استمرت أسبوعين نجحت بالفعل في إضعاف قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية في الممرات المائية الحيوية.
أبعاد التوصية العسكرية بـ وقف قصف إيران وخلفيتها التاريخية
لطالما كان مضيق هرمز بؤرة للتوترات الجيوسياسية العالمية، حيث يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي يومياً. وتاريخياً، شهدت المنطقة مواجهات متعددة عُرفت بـ “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي، وتكررت حوادث احتجاز السفن واستهدافها في السنوات الأخيرة. إن التوصية الحالية بـ وقف قصف إيران تعكس إدراكاً أمريكياً عميقاً لخطورة انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تؤدي إلى إغلاق المضيق بالكامل، مما يتسبب في صدمة غير مسبوقة لأسواق الطاقة العالمية واهتزاز الاقتصاد الدولي. لذلك، تفضل واشنطن في الوقت الراهن موازنة الردع العسكري بالحلول الدبلوماسية المستدامة.
المبادرة العُمانية وتأثيرها المتوقع على أمن الملاحة الإقليمية
على الجانب الآخر، تبرز سلطنة عُمان مجدداً كلاعب دبلوماسي محايد يسعى لنزع فتيل الأزمات في المنطقة. المقترح العُماني الجديد يهدف إلى نقل إدارة الأمن والخدمات في مضيق هرمز إلى تحالف إقليمي مشترك، مما يقلل من الحاجة إلى الوجود العسكري الأجنبي المباشر ويسحب فتيل الذرائع التصعيدية. ويرى مراقبون أن نجاح هذا المقترح سيمثل تحولاً استراتيجياً محلياً وإقليمياً، إذ سيعزز السيادة الإقليمية للدول المطلة على الممر المائي ويضمن تدفقاً آمناً للتجارة الدولية دون انقطاع.
وفي طهران، نقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول إيراني كبير قوله إن بلاده مستعدة لوقف هجماتها المضادة إذا التزمت الولايات المتحدة بتتعليق ضرباتها بشكل مستمر. ومع ذلك، عبر المسؤول عن وجود شكوك تفوق التفاؤل في الأوساط السياسية الإيرانية، معتبراً أن التوقف الأمريكي قد يكون مجرد تكتيك عسكري مؤقت وليس تحولاً حقيقياً في الاستراتيجية. وفي المقابل، وصف مسؤول إيراني آخر لشبكة “سي بي إس” المحادثات الأخيرة مع سلطنة عُمان بأنها كانت بناءة وإيجابية، مؤكداً أن جهود إعادة فتح مضيق هرمز بشكل آمن ونهائي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى التزام واشنطن بإنهاء عملياتها العسكرية في المنطقة.


