في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع في الأوساط المالية العالمية، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، لتظل عند نطاقها الحالي بين 3.50% و3.75%. وجاء هذا القرار في ثاني اجتماع للمجلس تحت قيادة رئيسه الجديد كيفن وارش، متجاهلاً الدعوات المتكررة والمباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرورة خفض تكاليف الاقتراض لدعم النمو الاقتصادي وتعزيز التنافسية.
تفاصيل التصويت داخل الفيدرالي الأمريكي
تم اتخاذ قرار الإبقاء على معدلات الفائدة الحالية بأغلبية تسعة أصوات مقابل معارضة ثلاثة أعضاء طالبوا بخفضها. وأكد مجلس الاحتياطي الفيدرالي في بيانه الرسمي على التزامه بمواصلة سياسته النقدية الحالية، والتي تركز على الحفاظ على مستويات كافية من الاحتياطيات النقدية داخل النظام المصرفي لضمان الاستقرار المالي وتجنب أي اضطرابات غير متوقعة في قطاع البنوك.
السياق التاريخي ومسار السياسة النقدية
يأتي قرار البنك المركزي الأمريكي بعد سلسلة طويلة من التحركات النقدية المتشددة التي اتخذها على مدار السنوات الأخيرة لمكافحة معدلات التضخم المرتفعة التي أعقبت جائحة كورونا واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. ويمثل هذا التثبيت استمراراً لسياسة الترقب والحذر التي ينتهجها البنك لتقييم الأثر التراكمي لرفع الفائدة السابق على قطاعات الاقتصاد المختلفة، وضمان هبوط آمن للتضخم نحو المستهدف دون التسبب في ركود اقتصادي حاد.
النشاط الاقتصادي ومخاوف التضخم والتوترات الجيوسياسية
أوضحت لجنة الأسواق المفتوحة بالاحتياطي الفيدرالي أن النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة يواصل التوسع بوتيرة قوية، على الرغم من حالة عدم اليقين المرتفعة التي تسيطر على المشهد الاقتصادي العالمي. وأشار البيان إلى أن هذه الضبابية تعزى جزئياً إلى الصراع المستمر في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراته المحتملة على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل التوريد.
ورغم هذه التحديات، أشاد الفيدرالي بقوة نمو الإنتاجية والاستثمارات الرأسمالية، إلى جانب استقرار معدلات البطالة وتوافق الزيادة في الوظائف مع نمو القوى العاملة. ومع ذلك، شدد البنك على أن معدلات التضخم لا تزال مرتفعة مقارنة بالهدف المحدد البالغ 2%، وهو ما يرجع جزئياً إلى صدمات المعروض التي أثرت على قطاعات حيوية مثل الطاقة، مؤكداً التزام اللجنة الراسخ باستعادة استقرار الأسعار.
الرئيس دونالد ترامب يضغط لخفض تكلفة الاقتراض
على الجانب الآخر، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط على البنك المركزي لتبني سياسة نقدية أكثر تيسيراً. وصرح ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية ‘إير فورس ون’ قائلاً: ‘ينبغي خفض أسعار الفائدة، وهناك دول أخرى تدفع أسعار فائدة أقل، ويجب أن يكون لدينا أدنى سعر فائدة في العالم’.
وعلق ترامب على رئيس المجلس الجديد قائلاً: ‘كيفن رائع، لكنه لديه مجلس، وأعضاء المجلس سياسيون للغاية’، في إشارة إلى كيفن وارش، مشيراً إلى أنه يدرك تماماً التوجهات التي يرغب وارش في اتخاذها، لكنه يواجه ضغوطاً من أعضاء المجلس الآخرين الذين يميلون إلى التحفظ.
تأثيرات قرار تثبيت أسعار الفائدة على الأسواق العالمية والمحلية
يحمل قرار تثبيت أسعار الفائدة تداعيات واسعة النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمحلياً، يسهم هذا القرار في الحفاظ على تكاليف التمويل الحالية للشركات والأفراد، مما قد يهدئ من وتيرة الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري بشكل مؤقت لضمان كبح التضخم.
أما على الصعيد الدولي والإقليمي، فإن استقرار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة نسبياً يضع ضغوطاً مستمرة على الأسواق الناشئة، التي تضطر للحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة لحماية عملاتها المحلية من نزيف التدفقات النقدية الخارجة نحو السندات الأمريكية. كما يؤثر هذا القرار بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية المقومة بالدولار، وعلى رأسها النفط والذهب، مما يبقي الأسواق العالمية في حالة ترقب مستمر للخطوات القادمة للفيدرالي.


