أعلنت وزارة الداخلية التركية، السبت، عن نجاح أجهزتها الأمنية في إلقاء القبض على أحد أبرز المطلوبين المتهمين بالمشاركة المباشرة في محاولة اغتيال أردوغان (الرئيس التركي رجب طيب أردوغان) خلال أحداث المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها البلاد في منتصف يوليو من عام 2016. وتأتي هذه العملية الأمنية النوعية لتؤكد إصرار أنقرة على ملاحقة كافة العناصر المتورطة في تلك الأحداث الدامية، سواء داخل الأراضي التركية أو خارجها، وتقديمهم إلى العدالة مهما طال الزمن.
تفاصيل العملية الأمنية والقبض على الطيار المتورط
أوضحت الوزارة في بيان رسمي، نقلته هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية الرسمية (TRT)، أن قوات الشرطة بالتعاون مع الأجهزة الاستخباراتية تمكنت من توقيف المشتبه به الذي أشير إليه بالأحرف الأولى من اسمه (ب. كيه). ووفقاً للبيان، فإن المتهم هو ضابط سابق في الجيش التركي برتبة نقيب (كابتن) وكان يعمل كطيار مروحية، وقد تم فصله من الخدمة العسكرية عقب فشل الانقلاب مباشرة.
وكان المتهم ملاحقاً بموجب “نشرة حمراء” صادرة عن منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول). وجاءت عملية القبض عليه بعد جهد استخباراتي مشترك ومكثف نفذته وحدات الاستخبارات التابعة لمديرية الأمن في ولايتي “أفيون قره حصار” و”إسكي شهير”، بالتنسيق مع المديرية العامة للأمن، حيث تم تحديد مكان اختبائه بدقة ومداهمته من قبل فرق مكافحة الإرهاب في ولاية أفيون قره حصار.
ليلة مرمريس الساخنة وكواليس محاولة اغتيال أردوغان
تعود تفاصيل القضية إلى ليلة 15 يوليو 2016، عندما شهدت تركيا محاولة انقلابية فاشلة قادتها مجموعة من العسكريين المنتمين لما تصفه أنقرة بتنظيم “فتح الله غولن”. وخلال تلك الليلة العصيبة، كانت بلدة “مرمريس” السياحية الواقعة جنوب غربي البلاد مسرحاً لإحدى أخطر العمليات، حيث استهدفت وحدة من القوات الخاصة الفندق الذي كان يقيم فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بهدف تصفيته.
المتهم المقبوض عليه مؤخراً كان ضمن الطاقم الجوي والوحدة العسكرية التي نفذت الهجوم على الفندق. ولحسن الحظ، غادر أردوغان الفندق قبل دقائق معدودة من وصول المهاجمين، متوجهاً إلى إسطنبول عبر طائرة رئاسية، مما أحبط محاولة اغتيال أردوغان التي كانت ستغير مجرى التاريخ التركي الحديث بالكامل لو قُدّر لها النجاح.
السياق التاريخي لمحاولة الانقلاب وأثرها المستمر
تعتبر محاولة انقلاب 2016 نقطة تحول كبرى في التاريخ التركي المعاصر. فقد أسفرت تلك الليلة عن مقتل أكثر من 250 مواطناً تركياً وإصابة ما يزيد على 2700 آخرين تصدوا للدبابات والطائرات في الشوارع تلبية لدعوة الرئيس أردوغان عبر اتصال مرئي شهير.
وتتهم أنقرة رسمياً الداعية الراحل فتح الله غولن – الذي أُعلن عن وفاته في الولايات المتحدة عام 2024 – بإدارة وتدبير هذا الانقلاب من خلال شبكته المتغلغلة في مؤسسات الدولة والجيش، وهو ما كان ينفيه غولن باستمرار طوال حياته. ومنذ ذلك الحين، شنت السلطات التركية حملات تطهير واسعة النطاق شملت عزل واعتقال آلاف العسكريين والقضاة والموظفين العموميين لضمان استقرار النظام الديمقراطي ومنع تكرار مثل هذه الحوادث.
الأبعاد السياسية والأمنية لاعتقال المطلوبين
يحمل اعتقال هذا الضابط الهارب دلالات أمنية وسياسية بالغة الأهمية على المستويين المحلي والدولي. محلياً، يبعث هذا الإجراء برسالة قوية مفادها أن الدولة التركية لن تطوي صفحة الانقلاب ولن تتسامح مع أي شخص شارك في تهديد أمنها القومي، حتى بعد مرور سنوات طويلة.
أما دولياً، فإن استمرار ملاحقة المطلوبين عبر الإنتربول يبرز إصرار الدبلوماسية والأمن التركي على الضغط على الدول الحليفة لتسليم المتهمين الفارين. وتؤكد وزارة الداخلية التركية أن عملياتها الأمنية ضد خلايا تنظيم غولن ستتواصل بلا هوادة حتى تفكيك آخر شبكاته ومحاكمة جميع المتورطين في تلك المؤامرة الفاشلة.


