أكدت المحامية الدولية والباحثة السعودية جود الحارثي أن خريطة الدبلوماسية الإقليمية تشهد تحولاً عميقاً، حيث تراجعت اتفاقات السلام في الشرق الأوسط بمفهومها الشامل والتقليدي لصالح صفقات ثنائية ذات طابع تبادلي ومصلحي مباشر بين الدول. وأشارت الحارثي، خلال محاضرة ألقتها ضمن برنامج القيادة في الشؤون الدولية بأكاديمية الملكة إليزابيث الثانية التابعة للمعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاثام هاوس) في لندن، إلى أن التوترات الإقليمية الأخيرة، بما فيها الاحتكاكات والمواجهات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، تعد تجسيداً واضحاً لهذا التحول البنيوي في إدارة الأزمات.
الوساطة كأداة للقوة الناعمة والنفوذ الدولي
أوضحت الحارثي، المتخصصة في مشاريع بناء السلام، أن مفهوم الوساطة الدولية قد شهد إعادة تعريف جوهرية في الآونة الأخيرة. فلم تعد الوساطة مجرد مسعى إنساني أو دبلوماسي يهدف حصراً إلى إنهاء النزاعات المسلحة وتحقيق الاستقرار، بل تحولت إلى أداة استراتيجية من أدوات القوة الناعمة. وتتنافس القوى الإقليمية والدولية اليوم بشكل محموم لاستضافة جولات المفاوضات ورعايتها، مدفوعة برغبتها في كسب المكانة السياسية وتعزيز نفوذها على الساحة الدولية، بغض النظر عن النتيجة النهائية لتلك المحادثات وسواء أفضت إلى سلام مستدام أم لا. هذا التنافس على المظهر الدبلوماسي أدى في كثير من الأحيان إلى إطالة أمد العمليات التفاوضية وتجاوزها للمدى الزمني الفعلي المطلوب للتوصل إلى تسوية حقيقية.
السياق التاريخي لتطور اتفاقات السلام في الشرق الأوسط
تاريخياً، تأسست الجهود الدبلوماسية في المنطقة على مبدأ الحلول الشاملة والقضايا المتعددة الأطراف، مثل مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ومساعي تحقيق السلام الشامل القائم على القرارات الأممية. ومع ذلك، يرى المراقبون أن العقود الأخيرة شهدت تراجعاً في هذا المسار الجماعي لصالح نهج الصفقات الثنائية والمصالح المتبادلة، وهو ما تجلى في الاتفاقيات الإبراهيمية وغيرها من التفاهمات الأمنية والاقتصادية المباشرة. هذا التحول يعكس واقعية سياسية جديدة تركز على المصالح الجيوسياسية والاقتصادية المباشرة لكل دولة على حدة، بدلاً من الانتظار لحل النزاعات الإقليمية الكبرى والمعقدة بشكل جماعي وشامل.
التأثيرات المتوقعة على الاستقرار الإقليمي والدولي
إن الانتقال نحو الصفقات الثنائية يحمل في طياته تداعيات واسعة النطاق على المستويين الإقليمي والدولى. فمن الناحية المحلية والإقليمية، قد تسهم هذه الصفقات في تهدئة مؤقتة لبعض الجبهات وفتح آفاق للتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، لكنها في الوقت ذاته قد تؤدي إلى تهميش القضايا الجوهرية العالقة، مما يهدد بتجدد الصراعات على المدى الطويل. دولياً، تفرض هذه الديناميكية على القوى العظمى، مثل الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، والاتحاد الأوروبي، إعادة تقييم استراتيجياتها الدبلوماسية للتعامل مع شبكة معقدة من التحالفات الثنائية المرنة بدلاً من الكتل السياسية التقليدية المستقرة.
خبرات عملية واستشراف لمستقبل الحراك السياسي
استندت جود الحارثي في تحليلها إلى خبرة عملية واسعة اكتسبتها من خلال عملها في المكتب التنفيذي للأمين العام للأمم المتحدة، وإدارة الشؤون السياسية وبناء السلام بالمنظمة الدولية، إلى جانب أبحاثها الميدانية المعمقة. وجاءت هذه المحاضرة كجزء من اختتامها لبرنامج القيادة في “تشاثام هاوس” الذي استمر 10 أشهر. وركز البرنامج على استشراف مستقبل الحراك السياسي العالمي عبر لقاءات مكثفة مع قادة وصناع قرار من مختلف القطاعات الحكومية والتقنية والاقتصادية، لمناقشة سبل مواجهة التحديات العالمية الكبرى مثل الأمن والسلم الدوليين، والتغير المناخي، والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى حوكمة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة وتأثيرها على مستقبل الدبلوماسية.


