في تطور لافت قد يغير مسار الحرب التكنولوجية الباردة بين القوتين العظميين، أفادت تقارير حديثة بأن السلطات الصينية أبدت موافقة مبدئية ومرونة غير مسبوقة بشأن ملف نقل ملكية تطبيق الفيديوهات القصيرة الشهير «تيك توك» (TikTok). يأتي هذا التحول بعد سنوات من الشد والجذب والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وبكين، مما يفتح الباب أمام تسوية قد تجنب التطبيق الحظر الكامل في الولايات المتحدة الأمريكية.
خلفية الصراع: من تهديدات ترامب إلى تشريعات بايدن
لم يكن هذا الملف وليد اللحظة، بل يعود بجذوره إلى عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي كان أول من لوح بحظر التطبيق بدواعي الأمن القومي. واستمرت هذه الضغوط لتتخذ شكلاً قانونياً أكثر صرامة في عهد الرئيس جو بايدن، حيث أقر الكونغرس الأمريكي تشريعاً يلزم شركة «بايت دانس» (ByteDance) المالكة للتطبيق ببيع عملياتها في الولايات المتحدة أو مواجهة الحظر التام. وتستند المخاوف الأمريكية بشكل أساسي إلى احتمالية وصول الحزب الشيوعي الصيني إلى بيانات ملايين المستخدمين الأمريكيين، أو استخدام التطبيق كأداة للدعاية والتأثير على الرأي العام.
عقدة «الخوارزميات» والسيادة الرقمية
تكمن أهمية هذه الموافقة المبدئية في أنها تتعارض مع الموقف الصيني المتشدد سابقاً. ففي عام 2020، قامت الصين بتحديث قوانين مراقبة الصادرات لتشمل «خوارزميات التوصية بالمحتوى»، وهي التقنية التي تعتبر «السر التجاري» وراء نجاح تيك توك الهائل. كان يُنظر إلى هذه الخطوة حينها على أنها محاولة لقطع الطريق أمام أي صفقة بيع قسري. لذا، فإن الأنباء عن موافقة مبدئية تثير تساؤلات جوهرية حول شكل الصفقة: هل ستتضمن بيع الخوارزميات أم سيتم بيع قاعدة المستخدمين والعلامة التجارية فقط؟ وهو تفصيل تقني قد يحدد نجاح أو فشل المفاوضات القادمة.
التأثيرات الاقتصادية والجيوسياسية المتوقعة
على الصعيد الاقتصادي، تعتبر هذه الخطوة طوق نجاة للمستثمرين العالميين في شركة «بايت دانس»، بما في ذلك شركات استثمارية أمريكية كبرى مثل «سيكويا كابيتال» و«جنرال أتلانتيك»، الذين كانوا يخشون تبخر قيمة استثماراتهم في حال تم حظر التطبيق في أكبر سوق إعلاني في العالم. كما أن إتمام الصفقة قد يعيد تشكيل سوق التواصل الاجتماعي، حيث ستنتقل ملكية منصة تضم أكثر من 170 مليون مستخدم أمريكي إلى كيان جديد، مما سيخلق منافساً شرساً لعمالقة التكنولوجيا مثل «ميتا» و«جوجل».
أما على الصعيد الجيوسياسي، فإن هذا التطور قد يشير إلى رغبة بكين في تهدئة التوترات التجارية مع واشنطن، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية التي تواجهها الصين. ومع ذلك، يبقى الحذر سيد الموقف، حيث ستخضع أي صفقة محتملة لتدقيق صارم من قبل الهيئات التنظيمية في كلا البلدين لضمان عدم المساس بالأمن القومي أو التفريط في الأصول التكنولوجية الحساسة.


