في تطور يعكس التوترات المتزايدة بين حرية الإنترنت والرقابة الحكومية، شهدت روسيا مؤخرًا احتجاجات متفرقة دفاعًا عن منصة الألعاب الشهيرة «روبلوكس» (Roblox)، وذلك بعد تقارير عن حظرها أو فرض قيود صارمة عليها داخل البلاد. هذه الاحتجاجات، التي غالبًا ما يقودها الشباب وأولياء أمورهم، تسلط الضوء على الأهمية المتزايدة للمنصات الرقمية في الحياة اليومية، وتأثير قرارات الحظر على المجتمع، خاصة الفئات الشابة.
تُعد «روبلوكس» منصة ألعاب عالمية شهيرة تتيح للمستخدمين إنشاء ألعابهم الخاصة ومشاركتها مع الآخرين، بالإضافة إلى اللعب في عوالم افتراضية متنوعة. اكتسبت المنصة شعبية هائلة بين الأطفال والمراهقين في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك روسيا، حيث توفر لهم مساحة للتعبير الإبداعي والتفاعل الاجتماعي والتعلم من خلال اللعب. إن طبيعتها التي تعتمد على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون جعلتها مركزًا للابتكار الرقمي ومجتمعًا افتراضيًا حيويًا.
تأتي هذه الخطوة ضمن سياق أوسع من سعي السلطات الروسية لتعزيز ما تسميه “السيادة الرقمية” والتحكم في المحتوى المتاح لمواطنيها على الإنترنت. على مدى السنوات الماضية، كثفت هيئة الرقابة الروسية على الاتصالات، “روسكومنادزور” (Roskomnadzor)، جهودها لفرض قيود على المنصات الأجنبية، مستندة إلى قوانين تهدف إلى “حماية القُصّر” أو مكافحة “المعلومات المتطرفة” أو “الدعاية غير التقليدية”. وقد شملت هذه الإجراءات حظر منصات تواصل اجتماعي كبرى مثل فيسبوك وإنستغرام (التابعتين لشركة ميتا، المصنفة كمنظمة متطرفة في روسيا)، بالإضافة إلى لينكد إن، وفرض غرامات ضخمة على شركات التكنولوجيا لعدم حذف محتوى تعتبره الحكومة غير قانوني.
وفي حالة «روبلوكس»، تشير التقارير إلى أن المخاوف الروسية تركزت على محتوى قد يُعتبر “دعاية للمثلية الجنسية” أو معلومات تتعلق بالحرب في أوكرانيا، والتي تحظرها القوانين الروسية الصارمة. يرى المنتقدون أن هذه الإجراءات ليست سوى محاولة لخنق حرية التعبير وتقييد وصول المواطنين الروس إلى المعلومات والمنصات العالمية، مما يؤدي إلى عزل رقمي متزايد للبلاد عن بقية العالم.
تُظهر الاحتجاجات، وإن كانت محدودة النطاق مقارنة بالاحتجاجات السياسية الكبرى، مدى تعلق الشباب الروسي بهذه المنصات كجزء لا يتجزأ من حياتهم الاجتماعية والترفيهية والتعليمية. بالنسبة للكثيرين، لا تمثل «روبلوكس» مجرد لعبة، بل هي مساحة للتواصل مع الأصدقاء، وتطوير مهارات البرمجة والتصميم، وحتى بناء مشاريع صغيرة. وبالتالي، فإن حظرها لا يؤثر فقط على الترفيه، بل يمتد ليشمل الجوانب التعليمية والاجتماعية والاقتصادية.
إن تأثير هذا الحظر يتجاوز الحدود المحلية. فعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تثير هذه الخطوة مخاوف بشأن مستقبل الإنترنت المفتوح وحرية الوصول إلى المعلومات. كما أنها تبعث برسالة تحذيرية لشركات التكنولوجيا العالمية التي تسعى للعمل في أسواق تخضع لرقابة حكومية مشددة، مما قد يؤثر على استراتيجياتها التشغيلية واستثماراتها. يعكس هذا الوضع التحدي الأكبر المتمثل في التوفيق بين القوانين الوطنية المتغيرة والمبادئ العالمية لحرية الإنترنت.
في الختام، تُعد الاحتجاجات على حظر «روبلوكس» في روسيا أكثر من مجرد رد فعل على منع لعبة؛ إنها تعبير عن صراع أوسع حول السيطرة على الفضاء الرقمي، وحقوق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والترفيه، ومستقبل الإنترنت في عصر تزايد فيه التوترات الجيوسياسية والرقابة الحكومية. يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه الاحتجاجات ستدفع السلطات لإعادة النظر في قراراتها، أم أنها ستكون مجرد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من القيود الرقمية.


