spot_img

ذات صلة

الطلاق الاستراتيجي الإيراني: هل يتكرر في لبنان بعد غزة؟

تثير التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط تساؤلات عميقة حول حدود الدعم الذي تقدمه طهران لحلفائها في المنطقة، وما إذا كان مفهوم الطلاق الاستراتيجي الإيراني الذي تجلى بوضوح في قطاع غزة سيتكرر مجدداً في الساحة اللبنانية. تعيش العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية تحت وطأة تصعيد عسكري إسرائيلي غير مسبوق، يقابله صمت ميداني لافت من الجانب الإيراني، في مقابل حراك دبلوماسي مكثف يسعى إلى إعادة صياغة التوازنات الإقليمية بما يخدم المصالح الحيوية لطهران أولاً وأخيراً.

جذور البراغماتية ومفهوم الطلاق الاستراتيجي الإيراني

تاريخياً، اتسمت السياسة الخارجية الإيرانية بمرونة براغماتية عالية تفصل بين الخطاب الأيديولوجي الحماسي والممارسة السياسية على أرض الواقع. فبينما كانت غزة تُقدّم لسنوات طويلة كحصن متقدم لمحور المقاومة، كشفت أحداث أكتوبر 2023 عن حدود هذا التحالف؛ حيث أبلغت القيادة الإيرانية الفصائل الفلسطينية صراحة بعدم رغبتها في الدخول في حرب مباشرة بالنيابة عن أحد. هذا السلوك كرس ما يُعرف بـ الطلاق الاستراتيجي الإيراني غير المعلن، والذي عزل الحسابات القومية لطهران عن مصير القطاع المدمر، واكتفى بتقديم إسناد منضبط ومحسوب بدقة لا يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية لحماية مصالحها الخاصة.

الساحة اللبنانية تحت مجهر التفاهمات الدولية الكبرى

اليوم، يواجه لبنان والبيئة الحاضنة لحزب الله السيناريو ذاته تقريباً. فالاتفاق الأخير المطروح لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، والذي يتضمن بنوداً تمنح تل أبيب حرية الحركة العسكرية لمواجهة أي خروقات، يُقرأ كمؤشر واضح على تراجع نفوذ المحور الإقليمي. يأتي هذا التطور بالتزامن مع عودة دونالد ترامب، رئيس أمريكا الحالي، إلى البيت الأبيض، مما يضع طهران أمام استحقاق تفاوضي معقد يتطلب تقديم تنازلات ميدانية مؤلمة في لبنان لضمان بقاء النظام الإيراني وحماية ملفه النووي من العقوبات الاقتصادية الخانقة.

التداعيات الإقليمية والمحلية لسياسة طهران البراغماتية

إن تكرار سيناريو الانكفاء الإيراني في لبنان لن تقتصر تأثيراته على الداخل اللبناني فحسب، بل ستمتد لتشمل البنية الجيوسياسية للشرق الأوسط بأكمله. محلياً، يجد لبنان نفسه، بمؤسساته الرسمية وشعبه، مكشوفاً أمام دمار هائل وأزمة اقتصادية وإنسانية طاحنة، وسط رغبة شعبية متزايدة في استعادة السيادة الوطنية والابتعاد عن الصراعات الإقليمية العبثية. إقليمياً ودولياً، يؤكد هذا المشهد أن الفصائل المسلحة، رغم تضحياتها العقائدية، تُعامل في نهاية المطاف كأوراق ضغط تفاوضية في البازار الدولي الكبير بين واشنطن وطهران، مما يسقط وهم “وحدة الساحات” ويؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية القائمة على المصالح المتبادلة للدول الكبرى على حساب الأطراف المحلية.

spot_imgspot_img