في خطوة استراتيجية نحو تعزيز مكانة المملكة العربية السعودية كمركز إقليمي رائد في مجال التقنيات المتقدمة، انطلق اليوم برنامج “معسكر محترفي الذكاء الاصطناعي” الذي تنظمه أكاديمية “سدايا” (الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي) في مدينة الرياض. يهدف هذا المعسكر النوعي، الذي يستمر لمدة شهرين، إلى تأهيل نخبة من خريجي التخصصات التقنية بالمهارات المتقدمة والضرورية للعمل في قطاعات البيانات والذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتنوعة، وذلك بحضور فعلي يضمن أقصى درجات التفاعل والاستفادة.
يأتي هذا المعسكر ضمن الجهود الحثيثة التي تبذلها أكاديمية سدايا في بناء وتطوير القدرات الوطنية المتخصصة، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الطموحة. تركز الأكاديمية من خلال هذا البرنامج على تزويد المتدربين بالمعارف العملية والتطبيقية العميقة، والتي تغطي دورة حياة الذكاء الاصطناعي بشكل متكامل وشامل. يبدأ المنهج بتأسيس قوي في هندسة البيانات وتصميم خطوط البيانات الفعالة، مرورًا بالتحليل الاستكشافي المتقدم الذي يمكن من استخلاص الرؤى القيمة من البيانات الضخمة. ولا يقتصر التدريب على ذلك، بل يتوسع ليشمل تطوير النماذج التقليدية والعميقة، وتنفيذ عمليات الضبط الدقيق باستخدام أحدث المكتبات والتقنيات العالمية، وصولًا إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي المبنية على النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، وتصميم خطوط التوليد المعزز بالاسترجاع (RAG) لرفع كفاءة ودقة المخرجات بشكل ملحوظ.
تُعد المملكة العربية السعودية، بقيادة رؤية 2030، في طليعة الدول التي تدرك الأهمية المحورية للذكاء الاصطناعي كقوة دافعة للتحول الاقتصادي والتنمية المستدامة. فمنذ إطلاق الرؤية، تم التركيز على تنويع مصادر الدخل، وتطوير القطاعات غير النفطية، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. في هذا السياق، تأسست الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) لتكون المرجع الوطني في كل ما يتعلق بالبيانات والذكاء الاصطناعي، ولتقود الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي (NDAI). هذه الاستراتيجية تهدف إلى جعل المملكة مركزًا عالميًا للبيانات والذكاء الاصطناعي، وتتضمن مبادرات متعددة لبناء القدرات، وتطوير البنية التحتية، وتحفيز الابتكار في هذا المجال الحيوي.
يشمل البرنامج التدريبي المكثف إتقان لغة البرمجة بايثون، التي تُعد حجر الزاوية في تطوير حلول الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى تطوير الواجهات البرمجية (APIs) التي تمكن من دمج هذه الحلول في أنظمة وتطبيقات مختلفة. كما يولي المعسكر اهتمامًا خاصًا للإعداد الكامل لبيئات الإنتاج عبر ممارسات التكامل والتطوير المستمر (CI/CD)، مما يضمن بناء حلول تقنية قابلة للنشر والمتابعة التشغيلية بكفاءة عالية وموثوقية. ويُختتم المعسكر بتنفيذ مشروع ختامي عملي، يقدّم خلاله المتدرب نموذجًا أوليًا متكاملًا يعالج تحديًا عمليًا حقيقيًا، وذلك وفقًا لأعلى معايير الجودة التقنية المعتمدة عالميًا، مما يمنحهم خبرة عملية لا تقدر بثمن.
إن أهمية هذا المعسكر تتجاوز مجرد تأهيل الأفراد؛ فهو يمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل المملكة الرقمي. على الصعيد المحلي، سيسهم هؤلاء المحترفون المؤهلون في سد الفجوة في سوق العمل المتنامي للذكاء الاصطناعي، ودعم الشركات الناشئة والكبرى في تبني هذه التقنيات، مما يعزز الإنتاجية ويخلق فرص عمل جديدة. إقليميًا، تعزز هذه المبادرات مكانة السعودية كقائد للتحول الرقمي في المنطقة، وتجذب الاستثمارات والخبرات العالمية. أما دوليًا، فإن بناء قاعدة قوية من الكفاءات في الذكاء الاصطناعي يضع المملكة في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال، ويساهم في الجهود العالمية لتطوير حلول مبتكرة للتحديات المشتركة، مثل الرعاية الصحية، والاستدامة، والمدن الذكية.
تعد أكاديمية سدايا، بمبادراتها المتواصلة، ركيزة أساسية في تحقيق أهداف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في بناء وتطوير الكفاءات الوطنية. إنها تعمل على تعزيز جاهزية الكفاءات الشابة للانضمام إلى سوق العمل في قطاع الذكاء الاصطناعي المزدهر، وبالتالي تدعم بشكل مباشر مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنمية القدرات الوطنية وتحقيق اقتصاد مزدهر ومستدام يعتمد على الابتكار والمعرفة.


