في ظل التوسع غير المسبوق لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي شهدت طفرة هائلة في السنوات الأخيرة مع ظهور نماذج مثل ChatGPT وMidjourney وSora، لم يعد إنتاج المحتوى المرئي والمسموع حكراً على البشر. باتت الخوارزميات قادرة على توليد نصوص وصور ومقاطع فيديو كاملة بجودة متزايدة وبأقل تدخل بشري. هذا التحول الجذري أتاح إمكانيات إبداعية جديدة وغير محدودة، لكنه في الوقت ذاته أثار مخاوف عميقة حول الأصالة والمصداقية والجودة في المحتوى الرقمي، خاصة على المنصات التي تعتمد على المحتوى الذي ينشئه المستخدمون.
في صلب هذه المشكلة يقف يوتيوب، عملاق مشاركة الفيديو العالمي، الذي وجد نفسه غارقاً في سيل متزايد من الفيديوهات المنتَجة تلقائيًا باستخدام الذكاء الاصطناعي. هذه الفيديوهات، التي غالبًا ما تكون معاد تدويرها على نطاق واسع وتفتقر إلى القيمة المضافة، أدت إلى إضعاف صانعي المحتوى التقليديين الذين يستثمرون الوقت والجهد في إنتاج أعمال أصلية. لقد خلقت هذه الظاهرة بيئة رقمية مليئة بالتكرار والمحتوى منخفض الجودة، والذي يُعرف داخل الصناعة بـ “مخلفات الذكاء الاصطناعي” (AI Slop). هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها يوتيوب تحديات تتعلق بجودة المحتوى؛ فقد سبق له أن طبق سياسات صارمة لمكافحة المحتوى غير المرغوب فيه وانتهاكات حقوق الطبع والنشر، مما يؤكد التزامه المستمر بالحفاظ على بيئة صحية للمشاهدين والمبدعين على حد سواء.
تجاوزت هذه المشكلة مجرد الجودة؛ فقد أشارت المنصة إلى أن بعض هذه الفيديوهات قد استُخدمت في تقليد الأخبار أو إنتاج محتوى إخباري زائف، بالإضافة إلى مقاطع “التزييف العميق” (Deepfakes) التي تستهدف شخصيات عامة. هذه المقاطع حصدت ملايين المشاهدات، مما أثار جدلاً واسعًا حول خطر انتشار المحتوى المؤتمت المضلل، خاصة في أوقات حساسة مثل مواسم الانتخابات أو الأزمات العالمية. إن قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى مقنع بسرعة فائقة يجعل منه أداة قوية لنشر المعلومات المضللة، مما يهدد الثقة العامة ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ردًا على هذه التحديات المتزايدة، بدأت يوتيوب في 15 يوليو 2025 بتطبيق سياسات صارمة ضمن برنامج شركاء يوتيوب (YPP)، بهدف تقليص قدرة المحتوى غير الأصيل على تحقيق الدخل. يؤكد البيان الصادر عن المنصة أن المحتوى الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لن يُحظر بالكامل، شريطة أن يكون أصليًا ويضيف قيمة بشرية واضحة. هذا التمييز مهم، فهو لا يهدف إلى قمع الابتكار، بل إلى توجيهه نحو الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة للإبداع البشري.
تستهدف التحديثات بشكل خاص القنوات التي تعتمد على الأتمتة شبه الكاملة، مثل عروض الشرائح المؤتمتة، والموسيقى المولدة آليًا، والفيديوهات الإخبارية المزيفة، وحتى مقاطع Shorts التي تُنتج باستخدام قوالب نمطية متكررة. أي محتوى يعتمد على توليد كميات ضخمة آليًا، أو لقطات مسروقة، أو تعليق صوتي آلي بحت، سيصبح غير مؤهل لتحقيق الدخل. هذه الخطوة تعكس التزام يوتيوب بتعزيز المحتوى عالي الجودة والأصالة، وتشجع المبدعين على التركيز على الإبداع البشري واللمسة الشخصية التي تميز أعمالهم.
يحذر خبراء الصناعة من أن هذه السياسة قد تؤثر بشكل كبير على صانعي المحتوى في بلدان منخفضة الدخل مثل فيتنام وباكستان وإندونيسيا، حيث تُعد إعلانات يوتيوب مصدر رزق رئيسيًا للكثيرين. هؤلاء المبدعون قد يجدون صعوبة في التكيف مع المتطلبات الجديدة التي تتطلب استثمارًا أكبر في الجهد البشري والإبداع الأصيل. في المقابل، لن تتأثر أعمال صناع الأفلام أو المحتوى الإبداعي عالي الجودة، بل قد يستفيدون من بيئة أكثر نقاءً وتنافسية. هذه السياسات قد تشكل سابقة لمنصات أخرى لمواجهة تحديات مماثلة، مما يؤثر على المشهد الرقمي العالمي.
تؤكد المنصة أن استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة مساعدة وليست بديلاً عن الإبداع البشري. فالصوت الإبداعي والإشراف التحريري للإنسان يظلان العامل الحاسم في نجاح أي قناة. ومع ذلك، يظل التناقض قائمًا: فبينما تحاول يوتيوب حماية الأصالة وتعزيز المحتوى البشري، تستثمر الشركة الأم “ألفابت” (Alphabet) بقوة في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل Veo3، التي تهدف إلى توليد المزيد من المحتوى المؤتمت باستخدام بيانات المستخدمين. هذا يطرح تساؤلات حول جدوى هذه الإجراءات وشفافيتها، وحول التوازن الذي تسعى يوتيوب لتحقيقه بين دعم الابتكار التكنولوجي والحفاظ على جوهر الإبداع البشري. إن مستقبل المحتوى الرقمي سيتوقف على كيفية إدارة هذه التحديات المعقدة.


