تستعد شركة أبل، عملاق التكنولوجيا العالمي، لإحداث تحول جذري في استراتيجيتها التسويقية التي دأبت عليها لعقود، في خطوة من شأنها أن تهز أركان سوق الهواتف الذكية. فبعد تقارير متزايدة، يبدو أن الشركة لن تطلق هاتف آيفون 18 القياسي ضمن جدولها السنوي المعتاد، مما يعني غياب الإصدار الجديد عن الأسواق لفترة غير مسبوقة، في كسر واضح لتقليد عمره أكثر من عقد من الزمان.
لطالما ارتبط اسم أبل بالدقة والانتظام في إطلاق منتجاتها، خاصة سلسلة هواتف آيفون. فمنذ الكشف عن أول آيفون في عام 2007، اعتاد المستهلكون والمحللون على حدث سبتمبر السنوي الذي تكشف فيه الشركة عن أحدث إصداراتها الرئيسية. هذا التقليد، الذي رسخ مكانة أبل كشركة رائدة في الابتكار والتسويق، خلق ترقباً عالمياً ودورة حياة منتج يمكن التنبؤ بها، مما ساهم في بناء ولاء قوي للعلامة التجارية. كانت هذه الاستراتيجية جزءاً لا يتجزأ من هوية أبل، حيث كانت تضمن تدفقاً مستمراً للمبيعات وتجديداً سنوياً لخط إنتاجها، مما يحافظ على حداثة أجهزتها في أذهان المستهلكين.
على الرغم من الأداء القوي الذي حققه هاتف آيفون 17 خلال عام 2025، تشير المعلومات الواردة من مصادر موثوقة، مثل موقع MacRumors المتخصص في أخبار أبل، إلى أن الشركة تخطط للإبقاء عليه كأحدث طراز قياسي لأكثر من 18 شهرًا. هذا يعني تأجيل طرح آيفون 18 إلى ربيع عام 2027، في سابقة لم تحدث منذ أكثر من عقد. هذه الخطوة تمثل تحولاً استراتيجياً عميقاً في طريقة إدارة دورة الإطلاق السنوية التي اعتاد عليها المستخدمون منذ سنوات طويلة، وتكسر قاعدة إطلاق جميع هواتف آيفون الرئيسية دفعة واحدة في سبتمبر.
وفقاً للتسريبات، تخطط أبل لتقسيم الإطلاق إلى مرحلتين: إعطاء الأولوية للطرازات الأعلى من حيث المواصفات (البرو) في الخريف، وتأجيل النسخ القياسية والأقل تكلفة إلى العام التالي. بموجب هذه الخطة، من المنتظر أن تُطلق أبل في خريف 2026 هواتف آيفون 18 برو، وآيفون 18 برو ماكس، إلى جانب أول آيفون قابل للطي، بينما يتم تأجيل آيفون 18 القياسي إلى ربيع 2027، بالتزامن مع آيفون 18e وآيفون آير 2.
يأتي هذا التغيير في ظل تحولات كبيرة يشهدها سوق الهواتف الذكية عالمياً. فقد تباطأ نمو السوق بشكل ملحوظ، وأصبحت دورات تحديث الهواتف لدى المستهلكين أطول، مع تفضيل الاحتفاظ بالجهاز الحالي لفترة أطول قبل الترقية. كما أن المنافسة أصبحت أكثر شراسة، خاصة من الشركات المصنعة للهواتف التي تعمل بنظام أندرويد، والتي تقدم ابتكارات مستمرة وأسعاراً تنافسية. في هذا السياق، تسعى أبل إلى إعادة تعريف استراتيجيتها للحفاظ على هيمنتها وربحيتها، من خلال التركيز على التمايز والابتكار في الفئات العليا، وتوزيع زخم الإطلاق على مدار العام.
يرى مراقبون أن هذا الجدول التدريجي يمنح أبل فرصة لتمييز كل فئة بوضوح، وتجنب التنافس الداخلي بين أجهزتها، إلى جانب توزيع المبيعات على مدار العام بدل حصرها في موسم واحد. هذا التغيير ليس مجرد تعديل تسويقي، بل يشمل اعتبارات تصنيعية ولوجستية عميقة. فمع تضخم ملحوظ في عدد هواتف آيفون المعروضة للبيع (قد يصل إلى ثمانية طرازات مختلفة على الأقل بحلول نهاية 2026 مع إطلاق آيفون 16e وآيفون آير في 2025، والاستعداد للكشف عن الهاتف القابل للطي في 2026، واستمرار بيع الطرازات الأقدم)، يتيح الإطلاق المتدرج تقليل اختناقات الإنتاج، وتحسين إدارة مكونات التقنيات المتقدمة، وتحقيق تدفق إيرادات أكثر استقرارًا عبر الفصول المالية.
على الصعيد الإقليمي والدولي، قد يؤثر هذا القرار على سلاسل التوريد العالمية، حيث سيتعين على الموردين التكيف مع جدول زمني جديد. كما قد يمنح هذا التأجيل فرصة للمنافسين لملء الفراغ في سوق الهواتف القياسية، بينما تركز أبل على فئة “البرو” والهواتف القابلة للطي. بالنسبة للمستهلكين، قد يعني ذلك انتظاراً أطول للطرازات الأقل تكلفة، ولكنه قد يوفر أيضاً خيارات أكثر وضوحاً عند الشراء، ويشجع على الاحتفاظ بالهواتف لفترة أطول.
وبينما لم تؤكد أبل رسميًا هذه التغييرات، فإن تراكم التقارير والتسريبات من مصادر موثوقة يعزز فرضية أن سوق آيفون على موعد مع أكبر تغيير في جدول الإطلاق منذ سنوات طويلة، مما يمهد لمرحلة جديدة في استراتيجية عملاق كوبرتينو.


