spot_img

ذات صلة

ارتفاع أسعار التكنولوجيا: الهواتف والحواسيب تواجه قفزة 20% بسبب أزمة الرقائق والذكاء الاصطناعي

يستعد المستهلكون حول العالم لمواجهة موجة غلاء غير مسبوقة في أسعار الأجهزة التكنولوجية، مع تحذيرات متزايدة من قفزة سعرية قاسية قد تطال الهواتف الذكية والحواسيب الشخصية ومجموعة واسعة من الإلكترونيات، تصل تقديراتها إلى 20% خلال العام الحالي. تأتي هذه الزيادات المرتقبة في ظل أزمة عالمية متفاقمة في سوق الرقائق الإلكترونية، مدفوعة بتحول غير مسبوق نحو الذكاء الاصطناعي الذي يلتهم كميات هائلة من أشباه الموصلات.

يمكن القول إن المعادلة باتت واضحة المعالم: نقص في المعروض من الرقائق، ارتفاع جنوني في الطلب، ونتيجة حتمية تتمثل في أسعار مرشحة للاشتعال. هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها العالم نقصاً في الرقائق؛ فخلال جائحة كوفيد-19، شهدت سلاسل التوريد اضطرابات واسعة أدت إلى شح في المكونات الأساسية، مما أثر على صناعات السيارات والإلكترونيات على حد سواء. لكن الأزمة الحالية تختلف في جوهرها، حيث أن المحرك الرئيسي لها هو الطلب الهائل وغير المتوقع من قطاع الذكاء الاصطناعي، وليس فقط اضطرابات الإنتاج.

لقد أطلقت شركات كبرى في صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية إنذارات مبكرة، مؤكدة أن نقص المعالجات والرقائق الأساسية، وخاصة رقائق الذاكرة المتقدمة (مثل HBM)، بدأ يضغط بقوة على التكاليف التشغيلية والإنتاجية. هذا الضغط يجعل تمرير العبء إلى المستهلكين أمراً شبه حتمي. وتشير التقديرات الأولية إلى زيادات تتراوح بين 5% و20% على طيف واسع من المنتجات، بدءاً من أحدث الهواتف الذكية وصولاً إلى الحواسيب المحمولة والمكتبية، وحتى الأجهزة المنزلية الذكية التي تعتمد بشكل متزايد على هذه المكونات.

ووصف أحد كبار التنفيذيين في شركة أمريكية عملاقة الوضع بصراحة غير مسبوقة، مشيراً إلى أن الشركات لم تشهد في تاريخها تسارعاً في ارتفاع التكاليف بهذا الشكل، مؤكداً أن الفاتورة النهائية سيدفعها المستخدمون. هذه التصريحات تعكس حالة من القلق العميق داخل الصناعة، حيث تواجه الشركات تحديات غير مسبوقة في الحفاظ على هوامش الربح مع تزايد تكاليف المكونات الأساسية.

لم تنتظر بعض الشركات طويلاً، وبدأت بالفعل في رفع أسعار منتجاتها، واصفة ما يجري في سلاسل التوريد بأنه «مؤلم» وغير قابل للاستيعاب. بينما اختارت شركات أخرى مساراً مختلفاً، فلجأت إلى تكديس الرقائق والمكونات الحيوية خوفاً من انقطاع الإمدادات المستقبلية، في مشهد يعيد للأذهان أسوأ فصول اضطرابات سلاسل التوريد العالمية التي شهدناها مؤخراً. هذا التكديس، بدوره، يزيد من حدة النقص في السوق، مما يخلق حلقة مفرغة من الطلب المرتفع والمعروض الشحيح.

السبب الرئيسي لهذه العاصفة السعرية لا يكمن في الهواتف أو الحواسيب نفسها، بل في الانفجار الهائل للذكاء الاصطناعي. فالتوسع المحموم في مراكز البيانات لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة، مثل ChatGPT وغيرها، استنزف كميات ضخمة من رقائق الذاكرة المتطورة والمعالجات الرسومية (GPUs) عالية الأداء. هذا الطلب غير المسبوق دفع مصنّعي الرقائق إلى تحويل بوصلتهم الإنتاجية بعيداً عن الإلكترونيات الاستهلاكية منخفضة التكلفة، نحو الرقائق الأكثر ربحية والأعلى تقنية المطلوبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وجاءت النتيجة على هيئة: نقص حاد في رقائق الذاكرة المستخدمة في كل شيء تقريباً، من السيارات الكهربائية إلى أجهزة الكمبيوتر الشخصية، وارتفاع متسارع في أسعار أشباه الموصلات بشكل عام. هذا يؤثر على القدرة التنافسية للشركات المصنعة للأجهزة الاستهلاكية، ويضع ضغوطاً إضافية على المستهلكين الذين يعتمدون بشكل متزايد على هذه الأجهزة في حياتهم اليومية والمهنية.

في سياق متصل، وصف محللون في أسواق المال المشهد بأنه حالة هلع حقيقية، إذ يسابق المشترون الزمن لتأمين كميات كافية من الرقائق، حتى لو اضطروا لدفع أسعار باهظة. وتشير التوقعات إلى زيادات صادمة في أسعار بعض أنواع الذاكرة قد تتجاوز 50% خلال فترة قصيرة، مما يعكس حجم الأزمة وشدة المنافسة على الموارد الشحيحة. هذا الارتفاع في التكاليف سينعكس حتماً على الأسعار النهائية للمنتجات.

وقد أعلنت شركتان آسيويتان عملاقتان، تهيمنان على سوق رقائق الذاكرة العالمية (في إشارة إلى شركات مثل سامسونج و SK Hynix)، أن طلبات العام المقبل تجاوزت بالفعل الطاقة الإنتاجية المتاحة، في إشارة خطيرة إلى أن الأزمة لن تكون مؤقتة، بل مرشحة للاستمرار والتعمق لسنوات قادمة. هذا الوضع يثير مخاوف جدية بشأن استقرار سلاسل التوريد العالمية وقدرتها على تلبية الطلب المتزايد.

في الخلفية، تضخ شركات التكنولوجيا مئات المليارات من الدولارات في سباق محموم لبناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي، مع توقعات بأن يصل الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والأجهزة المرتبطة بها إلى تريليونات الدولارات خلال السنوات القليلة المقبلة. هذا الاستثمار الضخم، رغم أهميته للتقدم التكنولوجي، يأتي بثمن جانبي ثقيل، ألا وهو: استنزاف مخزون الرقائق المخصصة أصلاً للهواتف والحواسيب الشخصية.

هذا يعني أن شحّ المعروض قد يستمر حتى عام 2027، وفق تقديرات مصرفية وتحليلات خبراء الصناعة. ولهذا السبب، يحذّر خبراء الصناعة من أن عام 2026 قد يكون أصعب من سابقه، مع ضغوط غير مسبوقة على سلاسل التوريد العالمية. وفي أسوأ السيناريوهات، قد يشهد العالم اضطرابات تشبه تلك التي ضربت الأسواق خلال جائحة كورونا، لكن هذه المرة مدفوعة بجوع الذكاء الاصطناعي الذي لا يشبع للرقائق.

الآثار المتوقعة لهذه الموجة السعرية لا تقتصر على المستهلكين الأفراد فحسب، بل تمتد لتشمل الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على التكنولوجيا، وقد تؤثر على وتيرة التحول الرقمي في بعض القطاعات. كما أنها قد تدفع الحكومات والشركات الكبرى إلى إعادة التفكير في استراتيجيات سلاسل التوريد، والبحث عن سبل لتعزيز المرونة وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المصادر الجغرافية. تبدو الرسالة الموجهة للمستهلكين واضحة: عصر الأجهزة التكنولوجية الأرخص يبتعد بسرعة، بينما تقترب سنوات الغلاء التكنولوجي التي قد تعيد تشكيل عادات الشراء والاستهلاك.

spot_imgspot_img