spot_img

ذات صلة

روسيا تحظر واتساب وتطلق ‘ماكس’: سيطرة رقمية أم حماية؟

في تطور يعكس سعيها المتواصل لتعزيز سيادتها الرقمية، أعلنت السلطات الروسية عن قرارها بحظر تطبيق التراسل الفوري الشهير واتساب تدريجياً، تمهيداً لاستبداله بتطبيق محلي يحمل اسم «ماكس». هذه الخطوة، التي هزّت المشهد الرقمي في البلاد، تأتي ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى إحكام قبضة موسكو على الفضاء السيبراني، في محاولة يصفها الخبراء بأنها جزء من استراتيجية أوسع للتحكم في حركة المستخدمين الرقمية وبياناتهم. لطالما كانت روسيا، خاصة منذ أحداث عام 2014 وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تسعى جاهدة لإنشاء بنية تحتية رقمية مستقلة، وهو ما تجسد في قوانين مثل قانون ‘الإنترنت السيادي’ لعام 2019، الذي يهدف إلى عزل الإنترنت الروسي عن الشبكة العالمية إذا لزم الأمر، والتحكم في تدفق المعلومات.

تبرر السلطات الروسية هذا القرار بدواعي الأمن القومي وحماية البيانات الشخصية للمواطنين. فقد أكد عضو مجلس الدوما الروسي، نيكولاي نوفيتشكوف، أن استمرار الاعتماد على واتساب يشكل ثغرة أمنية خطيرة، حيث يمكن أن يمكّن أجهزة الاستخبارات الأوكرانية، بالإضافة إلى المنظمات التي تصنفها روسيا على أنها ‘إرهابية أو متطرفة’، من الوصول غير المصرح به إلى معلومات حساسة تخص المواطنين الروس. علاوة على ذلك، تشير التقارير الرسمية إلى أن الأضرار المالية الناجمة عن الجرائم الإلكترونية وعمليات الاحتيال التي تتم عبر التطبيق قد بلغت مليارات الروبلات، مما يضيف بعداً اقتصادياً لمبررات الحظر. هذه المبررات تعكس القلق الروسي المتزايد بشأن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، خاصة في ظل الصراع المستمر في أوكرانيا والعقوبات الغربية المفروضة على موسكو.

على النقيض من الرواية الرسمية، يرى العديد من خبراء الحقوق الرقمية ومنظمات المجتمع المدني أن هذه الخطوة تمثل تضييقاً على الحريات الرقمية وتكريساً للرقابة الحكومية. في هذا السياق، أعرب ساركيس داربينيان، مدير مركز الحقوق الرقمية، عن مخاوفه الجدية بشأن تطبيق «ماكس» البديل، مشيراً إلى أنه يفتقر إلى معايير الخصوصية والأمان التي توفرها التطبيقات العالمية. فالتصميم المفترض لتطبيق «ماكس» يسمح بتخزين بيانات المستخدمين وربطها مباشرة بأرقام هواتفهم، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام المراقبة الرسمية الشاملة لجميع الاتصالات والأنشطة الرقمية للمواطنين. هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى التزام روسيا بحماية خصوصية الأفراد وحقهم في التواصل الآمن والحر.

أمام هذا القرار، ينقسم الشارع الروسي حول كيفية التعامل مع التغيير المفروض. هناك فريق كبير من المواطنين يرفض التخلي عن واتساب، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية وتواصلهم الشخصي والمهني، مهما كانت العقوبات المحتملة. هؤلاء يبحثون عن بدائل مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) لتجاوز الحظر، على الرغم من أن السلطات الروسية تخطط لملاحقة مستخدمي هذه الشبكات قانونياً، في محاولة لإغلاق جميع منافذ الالتفاف على الرقابة. في المقابل، يجد آخرون أنفسهم مضطرين لاعتماد تطبيق «ماكس» البديل، خوفاً من الغرامات أو العواقب القانونية، مما يعكس الضغط المتزايد على حرية الاختيار الرقمي. هذا الانقسام يسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الحكومات في فرض سيطرتها على الفضاء الرقمي في عصر تتسم فيه المعلومات بالتدفق السريع والعابر للحدود.

يرى المحللون والخبراء الدوليون أن هذه الخطوة تقرب روسيا بشكل كبير من نموذج السيطرة الرقمية الصيني، الذي يتميز بوجود جدار حماية عظيم (Great Firewall) وتطبيقات محلية خاضعة لرقابة الدولة. هذا التوجه نحو ‘الإنترنت السيادي’ أو ‘الإنترنت المجزأ’ (splinternet) يعكس رغبة موسكو في بناء نظام بيئي رقمي مستقل، يمكنها التحكم فيه بشكل كامل بعيداً عن التأثيرات الخارجية. إن نجاح تطبيق «ماكس» لن يعتمد فقط على قدراته التقنية، بل بشكل أساسي على مدى قبول ملايين المستخدمين الروس بالانتقال من منصة عالمية راسخة مثل واتساب إلى بديل محلي قد يفتقر إلى الثقة في الخصوصية. هذا التحول قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على المشهد الرقمي العالمي، حيث يمكن أن يشجع دولاً أخرى على تبني نماذج مماثلة، مما يؤدي إلى مزيد من التجزئة في الإنترنت وتقييد حرية تدفق المعلومات عبر الحدود.

spot_imgspot_img