معدل التضخم في مصر: استقرار نسبي في ديسمبر 2023 وتحديات مستمرة
أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن استقرار معدل التضخم السنوي لأسعار المستهلكين في المدن المصرية عند 12.3% في ديسمبر 2023، وهو نفس المستوى المسجل في نوفمبر من العام ذاته. تأتي هذه الأرقام في سياق اقتصادي دقيق، حيث تسعى الحكومة المصرية والبنك المركزي جاهدين لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسيطرة على مستويات الأسعار التي أثرت بشكل كبير على القوة الشرائية للمواطنين خلال الفترة الماضية.
تفاصيل الأرقام الاقتصادية
على الصعيد الشهري، شهدت أسعار المستهلكين في المدن المصرية ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.2% في ديسمبر 2023. وبالنظر إلى مكونات سلة المستهلك، سجلت أسعار الأغذية والمشروبات زيادة سنوية بلغت 1.5%، بينما شهدت انخفاضًا شهريًا بنسبة 0.7%. هذه التقلبات في أسعار السلع الأساسية، وخاصة الغذاء، تعكس التحديات المستمرة في سلاسل الإمداد وتأثير العوامل الموسمية، بالإضافة إلى التغيرات في قيمة العملة المحلية.
يُذكر أن شهر نوفمبر 2023 كان قد شهد انخفاضًا غير متوقع في معدل التضخم، مدفوعًا بشكل أساسي بتراجع أسعار المواد الغذائية على أساس شهري. هذا التذبذب يعكس حساسية السوق المصرية للعوامل الداخلية والخارجية، ويبرز أهمية المتابعة الدقيقة للسياسات الاقتصادية.
السياق التاريخي والتحديات الاقتصادية
شهدت مصر خلال السنوات القليلة الماضية موجات تضخمية حادة، بلغت ذروتها في سبتمبر 2023 عندما وصل التضخم السنوي إلى مستوى قياسي بلغ 38%. كانت هذه الارتفاعات مدفوعة بعدة عوامل، أبرزها تداعيات الأزمات العالمية مثل جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا التي أثرت على أسعار السلع الأساسية والطاقة عالميًا. كما ساهمت التحديات الاقتصادية المحلية، بما في ذلك الضغوط على سعر صرف الجنيه المصري، في تفاقم الأزمة التضخمية. لمواجهة هذه التحديات، وقعت مصر حزمة دعم مالي بقيمة ثمانية مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي في مارس 2024، بهدف دعم برنامج الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الاستقرار المالي والنقدي.
دور السياسة النقدية والمعروض النقدي
تُعد السياسة النقدية أداة رئيسية للتحكم في التضخم. في هذا السياق، أظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع المعروض النقدي (ن2) إلى 22.14% على أساس سنوي في نوفمبر 2023، مقارنة بـ 21.68% في أكتوبر من العام نفسه. ورغم أن هذا يمثل انخفاضًا عن ذروته البالغة 31.5% في يناير 2023، إلا أن زيادة المعروض النقدي يمكن أن تساهم في تأجيج الضغوط التضخمية إذا لم يتم إدارتها بحذر.
في استجابة لانخفاض معدلات التضخم الأخيرة، أقدم البنك المركزي على خفض سعر الفائدة لليلة واحدة بمقدار 100 نقطة أساس ليصل إلى 21.00% في ديسمبر 2023. وقد بلغ إجمالي التخفيضات في أسعار الفائدة خلال عام 2023 نحو 725 نقطة أساس، في محاولة لتحفيز النمو الاقتصادي وتخفيف أعباء الاقتراض على الشركات والأفراد، مع الحفاظ على استقرار الأسعار. من المقرر أن تجتمع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في 12 فبراير القادم لمراجعة أسعار الفائدة لليلة واحدة، وهو اجتماع يترقبه المستثمرون والأسواق لمعرفة التوجهات المستقبلية للسياسة النقدية.
التأثيرات والتوقعات المستقبلية
إن استقرار معدل التضخم عند 12.3% في ديسمبر 2023، وإن كان لا يزال مرتفعًا، يمثل مؤشرًا إيجابيًا على أن جهود السيطرة على الأسعار قد بدأت تؤتي ثمارها. ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، خاصة مع استمرار الضغوط على الجنيه المصري وتأثير التوترات الجيوسياسية الإقليمية والدولية على سلاسل الإمداد وأسعار السلع. يؤثر التضخم بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطنين، مما يستدعي استمرار الحكومة في برامج الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر احتياجًا. على المدى الطويل، يتطلب تحقيق استقرار مستدام في الأسعار تعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الدخل، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بالإضافة إلى إدارة حكيمة للسياسات المالية والنقدية. هذه الخطوات ستساهم في بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات المستقبلية.


