spot_img

ذات صلة

ترمب يهدد باول جنائياً: استقلالية الفيدرالي في خطر

في تصعيد غير مسبوق يهدد استقلالية المؤسسات المالية الأمريكية، كشف رئيس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) جيروم باول عن تلقيه مذكرات استدعاء من هيئة محلفين كبرى تابعة لوزارة العدل، تحمل تهديدًا بتوجيه اتهام جنائي ضده شخصيًا. هذا التطور الخطير يمثل ذروة للضغوط المتزايدة التي مارستها إدارة الرئيس دونالد ترمب على الاحتياطي الفيدرالي، المؤسسة المحورية في الاقتصاد العالمي.

وأرجع باول هذا التحقيق الجنائي إلى شهادته أمام لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ في يونيو الماضي، والتي تناولت تجاوزات في تكاليف مشروع تجديد وتوسعة المقر الرئيسي للاحتياطي الفيدرالي في واشنطن، والذي تبلغ تكلفته الإجمالية 2.5 مليار دولار. إلا أن باول، في بيان قوي ونادر عبر فيديو رسمي، وصف التهديد بالملاحقة الجنائية بأنه ‘ذريعة وغير مسبوق’. وأكد أن الهدف الحقيقي ليس الشهادة أو مشروع البناء، بل هو الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة بشكل كبير وسريع، تلبيةً لرغبات الرئيس ترمب السياسية. وصرح باول حرفيًا: ‘هذا التهديد الجديد ليس متعلقًا بشهادتي في يونيو الماضي، ولا بتجديد مباني الاحتياطي الفيدرالي، ولا بدور الكونغرس الرقابي، هذه كلها ذرائع، والتهديد بالملاحقة الجنائية هو نتيجة مباشرة لالتزام الاحتياطي الفيدرالي بتحديد أسعار الفائدة بناءً على تقييمنا الأفضل لمصلحة الجمهور، وليس وفقًا لرغبات الرئيس’. من جانبه، نفى الرئيس ترمب في تصريح لقناة NBC معرفته بتحركات وزارة العدل، لكنه لم يفوت الفرصة لانتقاد إدارة الاحتياطي الفيدرالي، قائلًا: ‘لا أعرف شيئًا عن الموضوع، لكنه بالتأكيد ليس جيدًا في إدارة الاحتياطي الفيدرالي، ولا في بناء المباني’.

تأسس الاحتياطي الفيدرالي عام 1913 بهدف توفير نظام نقدي ومالي آمن ومرن ومستقر للولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، يُعتبر استقلاله عن الضغوط السياسية ركيزة أساسية لفعاليته ومصداقيته. يمنح هذا الاستقلال البنك المركزي القدرة على اتخاذ قرارات السياسة النقدية، مثل تحديد أسعار الفائدة، بناءً على التحليل الاقتصادي الموضوعي لتحقيق أهدافه المزدوجة: أقصى قدر من التوظيف واستقرار الأسعار، بعيدًا عن الحسابات السياسية قصيرة الأجل. لطالما شهد تاريخ العلاقة بين الرؤساء الأمريكيين ورؤساء الاحتياطي الفيدرالي توترات، حيث يسعى الرؤساء أحيانًا للتأثير على السياسة النقدية لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية فورية. ومع ذلك، فإن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية ضد رئيس البنك المركزي شخصيًا، كما حدث مع جيروم باول، يمثل سابقة خطيرة وغير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة، تتجاوز مجرد الانتقادات أو الدعوات لتغيير السياسات.

أثارت هذه الخطوة ردود فعل سياسية فورية ومخاوف عميقة بشأن سيادة القانون واستقلالية المؤسسات. فقد أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو لجنة الخدمات المصرفية في مجلس الشيوخ، أن التهديد بالملاحقة الجنائية يثير تساؤلات جدية حول استقلالية ومصداقية وزارة العدل، وتعهد بمعارضة أي مرشحين يقترحهم ترمب لعضوية الاحتياطي الفيدرالي – بما في ذلك خليفة باول المرتقب – حتى يتم حل هذه القضية القانونية بالكامل. إن تآكل استقلالية الاحتياطي الفيدرالي يمكن أن تكون له تداعيات وخيمة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي. فعلى الصعيد المحلي، قد يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة في قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية بحيادية، مما قد يزعزع استقرار الأسواق المالية ويثبط الاستثمار. دوليًا، نظرًا لدور الدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمية ومركزية الاقتصاد الأمريكي، فإن أي شكوك حول استقلالية صانعي القرار النقدي في الولايات المتحدة يمكن أن تؤدي إلى تقلبات في الأسواق العالمية، وتراجع في قيمة الدولار، وربما هروب رؤوس الأموال من الاقتصاد الأمريكي. هذا التهديد لا يمس فقط شخص باول أو مشروع بناء، بل يضرب في صميم مبدأ الفصل بين السلطات ويقوض أسس الحوكمة الاقتصادية السليمة.

تزامنت هذه التطورات مع اقتراب انتهاء ولاية باول كرئيس للاحتياطي الفيدرالي في مايو 2026، مع إمكانية بقائه عضوًا في مجلس المحافظين حتى عام 2028، مما قد يعقّد خطط الإدارة في تغيير تركيبة صناع القرار النقدي. وقد أدت الأنباء إلى تراجع طفيف في العقود الآجلة للأسهم الأمريكية (نحو 0.5%) وانخفاض قيمة الدولار، فيما بقيت عوائد سندات الخزانة مستقرة نسبيًا، مما يعكس حالة من عدم اليقين في الأسواق. وصف المؤرخ الاقتصادي بيتر كونتي-براون الحادثة بأنها ‘نقطة منخفضة في رئاسة ترمب وفي تاريخ البنوك المركزية الأمريكية’، معتبرًا أن الإدارة تستخدم الآن ‘القوة الكاملة للقانون الجنائي الأمريكي’ ضد رئيس الاحتياطي الفيدرالي لمجرد رفضه الخضوع لمطالب خفض الفائدة. هذا الموقف يثير تساؤلات جدية حول مستقبل استقلالية البنوك المركزية في الديمقراطيات الكبرى، ويضع سابقة خطيرة قد تشجع على التدخل السياسي المباشر في السياسات النقدية حول العالم.

spot_imgspot_img