spot_img

ذات صلة

معارك السودان: الجيش يتأهب في الأبيض والدعم السريع يحشد

تتواصل الاشتباكات العنيفة في السودان، حيث أفادت مصادر عسكرية بتصدي المقاتلات الجوية التابعة للجيش السوداني لأهداف عسكرية تابعة لقوات الدعم السريع في المحاور المحيطة بمدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان الاستراتيجية. هذه التطورات تأتي في سياق تصعيد مستمر للصراع الذي تشهده البلاد منذ منتصف أبريل 2023.

وذكرت المصادر أن قوات الدعم السريع كثفت من حشودها خلال الـ48 ساعة الماضية، دافعة بمئات السيارات القتالية نحو محاور أبو سنون، والدبيبات، وبارا، والخوي. يهدف هذا التحرك إلى محاصرة مدينة الأبيض ومنع أي تقدم لقوات الجيش السوداني منها أو من محيطها، مع تكثيف الضغط عليها من ثلاثة اتجاهات رئيسية. وقد وصلت تعزيزات إضافية للدعم السريع مساء أمس (الأحد) إلى محور الخوي غربي الأبيض، قادمة من مناطق التبون، والأُضية، ورهد عنكوش في غرب كردفان، مما يشير إلى نية واضحة لتشديد الخناق على المدينة.

من جانبها، أكد قائد عسكري أن قوات الجيش السوداني في أهبة الاستعداد القصوى للتعامل بحسم مع أي تقدم لقوات الدعم السريع في محاور كردفان المختلفة. وأشار إلى أن الجيش يعمل على رصد كافة التوغلات والتحركات لهذه القوات، مؤكداً على جاهزيته للرد الفوري والفعال.

تأتي هذه المواجهات في الأبيض ضمن سياق أوسع للصراع الدائر في السودان منذ منتصف أبريل 2023، والذي اندلع بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي). هذا الصراع، الذي بدأ كنزاع على السلطة وتوزيع النفوذ بعد الإطاحة بنظام عمر البشير، تحول إلى حرب شاملة أدت إلى كارثة إنسانية ونزوح الملايين. لطالما كانت مدينة الأبيض، بفضل موقعها الجغرافي الحيوي، نقطة محورية في تاريخ السودان الحديث، وتكتسب أهمية استراتيجية كبرى في الصراع الحالي.

تُعد ولاية شمال كردفان، وعاصمتها الأبيض، ذات أهمية استراتيجية بالغة لكلا الطرفين المتحاربين. فهي ليست مجرد مركز إداري، بل هي عقدة مواصلات رئيسية تربط بين أقاليم السودان المختلفة، بما في ذلك دارفور غرباً والمناطق الوسطى والشمالية والشرقية التي يسيطر عليها الجيش. كما أن إقليم كردفان عموماً، الغني بالموارد الزراعية والحيوانية، ويمر عبره بعض خطوط النفط، يشكل عمقاً استراتيجياً ولوجستياً حيوياً. سيطرة أي طرف على الأبيض تعني تحكماً أكبر في طرق الإمداد والحركة العسكرية، وتأثيراً مباشراً على موازين القوى في مناطق واسعة من البلاد.

وقد شهد شهر ديسمبر 2023 توسعاً لقوات الدعم السريع شرقاً في إقليم كردفان، المقسم إلى ثلاث ولايات، وذلك بعد سيطرتها في أواخر أكتوبر 2023 على مدينة الفاشر، التي كانت تُعد آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور غرب السودان. هذا التوسع يبرز سعي الدعم السريع لتأمين خطوط إمدادها وتعزيز نفوذها في غرب ووسط السودان.

على الصعيد السياسي، تتزامن هذه التطورات العسكرية مع محاولات لإعادة تفعيل العمل الحكومي، حيث باشر رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس مهماته في الخرطوم لليوم الثاني، بعد الإعلان عن عودة الحكومة إلى العاصمة بشكل رسمي للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. هذه الخطوة، وإن كانت رمزية في ظل استمرار القتال، قد تحمل دلالات على محاولة استعادة بعض مظاهر الاستقرار الإداري.

إن استمرار القتال في مناطق حيوية مثل كردفان له تداعيات إنسانية واقتصادية وخيمة. فالملايين نزحوا من ديارهم، وتفاقمت أزمة الغذاء والرعاية الصحية، مما يضع ضغوطاً هائلة على المجتمع الدولي للتدخل. كما أن زعزعة الاستقرار في السودان يهدد الأمن الإقليمي برمته، نظراً لموقع البلاد الاستراتيجي وتأثيرها على دول الجوار في منطقة القرن الأفريقي. الجهود الدولية والإقليمية لوقف إطلاق النار وإيجاد حل سياسي تبدو معقدة في ظل التصعيد المستمر على الأرض.

تظل مدينة الأبيض ومحاور كردفان محط أنظار العالم، حيث تتكشف فصول جديدة من الصراع السوداني، الذي يستمر في إلقاء بظلاله على مستقبل البلاد وشعبها.

spot_imgspot_img