في خطوة مرتقبة تحمل في طياتها آمالاً وتحديات جمة لمستقبل قطاع غزة، تتجه الأنظار نحو إعلان وشيك من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أسماء الشخصيات التي ستشكل «مجلس السلام» لإدارة خطته الخاصة بالقطاع. يأتي هذا الإعلان في سياق جهود دولية مكثفة لإيجاد حلول مستدامة للأوضاع المعقدة في غزة، التي طالما عانت من أزمات إنسانية وسياسية متفاقمة.
قيادة إعادة الإعمار وتشكيل حكومة انتقالية
وفقاً لما نقله موقع «بلومبيرغ» عن مسؤولين مطلعين، فإن هذا المجلس، الذي يرأسه الرئيس ترامب، سيضم في معظمه رؤساء حكومات أو دول. يتمثل الهدف الأساسي للمجلس في قيادة عملية إعادة إعمار قطاع غزة، وذلك استناداً إلى خطة شاملة مكونة من 20 بنداً، والتي كانت قد مهدت الطريق لوقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي. لا يقتصر دور المجلس على الإشراف على الإعمار فحسب، بل يمتد ليشمل المساعدة في تشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط في القطاع، ونشر «قوة استقرار دولية» لضمان الأمن، بالإضافة إلى توفير التمويل اللازم لدعم هذه المبادرات الحيوية. وحتى الآن، لم تتضح الصورة الكاملة لأعضاء المجلس، لكن تم الكشف عن مرشح واحد لمنصب المدير التنفيذي، وهو الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي يحمل خبرة واسعة في العمل الدبلوماسي الدولي وفي قضايا الشرق الأوسط.
السياق التاريخي والتحديات الراهنة لغزة
إن الحديث عن إدارة دولية لقطاع غزة ليس وليد اللحظة، بل يأتي في ظل تاريخ طويل من الصراعات والحصار الذي أثر بشكل عميق على حياة مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع. فمنذ انسحاب إسرائيل أحادي الجانب عام 2005، وتولي حركة حماس السلطة في 2007، شهد القطاع عدة جولات من التصعيد العسكري، مما أدى إلى دمار واسع النطاق وتدهور غير مسبوق في البنية التحتية والخدمات الأساسية. تعاني غزة من معدلات بطالة وفقر مرتفعة، ونقص حاد في المياه الصالحة للشرب والكهرباء والرعاية الصحية. لذا، فإن أي خطة لإعادة الإعمار يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه التحديات الهيكلية العميقة، وتسعى إلى توفير حلول مستدامة تتجاوز مجرد ترميم الأضرار المادية.
توقعات دولية واجتماع دافوس
من جانبه، توقع مؤسس ورئيس مؤسسة «الأمريكيون من أجل السلام العالمي»، بشارة بحبح، في بيان موجه لأهالي غزة، أن يتم الإعلان عن مجلس السلام لغزة خلال الأسبوع القادم، وأن يُعقد اجتماعه الرسمي الأول على هامش اجتماعات دافوس المرموقة في الأسبوع الثالث من هذا الشهر. هذا التوقيت يشير إلى الأهمية الدولية التي توليها الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي لهذه المبادرة، حيث تُعد دافوس منصة عالمية لمناقشة القضايا الأكثر إلحاحاً. وفي سياق متصل، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالدبلوماسي ملادينوف الأسبوع الماضي، مؤكداً خلال اللقاء على ضرورة نزع سلاح حماس وتجريد قطاع غزة من السلاح، وذلك تماشياً مع خطة النقاط العشرين التي تهدف إلى إرساء الاستقرار والأمن في المنطقة. هذه المطالب الإسرائيلية تمثل أحد أبرز العقبات التي قد تواجه تنفيذ الخطة.
موقف حماس والجهود المصرية
في المقابل، أعلن عضو المكتب السياسي لحركة حماس، محمد نزال، أن وفداً من الحركة توجه إلى العاصمة المصرية القاهرة لبحث التطورات السياسية والميدانية في قطاع غزة. تهدف هذه الاجتماعات إلى متابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، في ظل ما وصفه نزال بـ«صعوبات كبيرة تعترض تطبيقه» واستمرار «الخروقات الإسرائيلية». وأكد نزال أن وفد حماس يعمل بالتنسيق مع بقية القوى الفلسطينية على تذليل العقبات أمام تشكيل اللجنة التي ستتولى إدارة القطاع، مشدداً على أنها يجب أن تكون «فلسطينية بحتة» وأن تكون «المرجعية الأساسية لها فلسطينية»، مع السعي للتوافق على أعضائها. كما أكد أن حماس أُبلغت رسمياً بترشيح نيكولاي ملادينوف كجزء من الإدارة المقترحة لقطاع غزة، مشيراً إلى أن اسمه طُرح بديلاً عن رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، الذي قوبل بتحفظات من عدة أطراف بسبب مواقفه السابقة وانحيازاته، مما يعكس حساسية اختيار الشخصيات الدولية في هذا الملف.
التأثيرات المتوقعة والتحديات المستقبلية
إن نجاح «مجلس السلام» المقترح، في حال تشكيله، سيكون له تأثيرات عميقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يمكن أن يفتح الباب أمام فترة من الاستقرار وإعادة البناء، وتحسين الظروف المعيشية لسكان غزة، شريطة أن يحظى بقبول ودعم الفصائل الفلسطينية المختلفة. إقليمياً، قد يؤثر على ديناميكيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويعزز دور مصر كلاعب رئيسي في الوساطة. دولياً، يمثل هذا المجلس اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على إدارة الأزمات المعقدة وتقديم حلول عملية. ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، أبرزها التوافق الفلسطيني الداخلي، وضمان التمويل المستمر، وتجاوز الخلافات حول قضايا الأمن ونزع السلاح، مما يجعل مسار هذا المجلس محفوفاً بالصعوبات ولكنه يحمل في طياته بصيص أمل لمستقبل غزة.


